تعد البقعة الحمراء العظيمة أضخم إعصار في المجموعة الشمسية، وهي من أكثر ملامح كوكب المشتري شهرة، وستسلط وكالة ناسا ضوءًا جديدًا عليه اعتمادًا على تلسكوب جيمس ويب الفضائي، إذ سيستخدم أشعته تحت الحمراء في دراسة الإعصار مستعينًا ببيانات مرصد هابل الفضائي وغيره من المراصد.

باتت بقعة المشتري على قائمة مهام تلسكوب جيمس، وجاءت بتوصية من علماء ساعدوا في تطوير هذا التلسكوب المعقد، فضلًا على أنهم كانوا ضمن أول من استخدموه في مراقبة الكون، وتتمثل إحدى أهداف بناء التلسكوب في دراسة الكواكب والأسرار التي ما زالت كواكب مجموعتنا الشمسية تعج بها.

ترأس لي فليتشر الفريق العلمي الذي سيدرس بقعة المشتري بأعين تلسكوب جيمس، وهو زميل أبحاث في علم الكواكب في جامعة لستر البريطانية، ويندرج هدف الفريق ضمن نطاق أوسع يرمي لدراسة أهداف أخرى في النظام الشمسي بالتلسكوب ذاته، وتُشرف عالمة الفلك هايدي هامل على تنفيذ هذه الأهداف، وتشغل منصب نائب الرئيس التنفيذي لرابطة جامعات أبحاث الفلك «إيه يو آر إيه» واختارتها ناسا لمنصب «إنترديسبلانري ساينتست» لتلسكوب جيمس في عام 2002.

وشرحت هايدي عن المهمة قائلة «توفر أشعة تلسكوب جيمس تحت الحمراء تتمة رائعة لدراسات الأشعة المرئية التي أجراها تلسكوب هابل، وكشفت صور هابل عن التغييرات الهائلة التي طالت حجم البقعة على مدى عقود.»

ويخطط فليتشر وفريقه لاستخدام أداة التصوير المطيافي لتلسكوب جيمس «إم آي آر آي» في رسم خرائط متعددة الأطياف للبقعة الحمراء وتحليل بنيتها الحرارية والكيميائية والسحابية، وبهذا سيتمكنوا من رصد الأطوال الموجية تحت الحمراء، ما يسلط ضوءًا على اللون الأحمر الذي تتميز به بقعة المشتري، وغالبًا ما يعزى هذا اللون إلى تفاعل أشعة الشمس فوق البنفسجية مع عناصر النتروجين والكبريت والفسفور التي حملتها الطبقات الدنيا من غلاف المشتري الجوي بفعل التيارات الجوية الصاعدة.

حقوق الصورة: NASA/JPL-Caltech/SwRI/MSSS/Björn Jónsson

وسيستخدم الفريق أداة «إم آي آر آي» في رصد نطاق موجي يتراوح من 5 إلى 7 ميكرومتر، ما قد يكشف تفاصيل مهمة عن البقعة الحمراء العظيمة، وجدير بالذكر أنه ما من مهمة سابقة استطاعت أن ترصد بقعة المشتري ضمن هذا الطيف الكهرومغناطسي، أضف على ذلك أنه يستحيل رصد هذه الأطوال الموجية من كوكب الأرض، وقد تمكن هذه الأطوال الموجية العلماء من رؤية المنتجات الثانوية الكيميائية التي تخلفها العاصفة، ما يمنحهم فكرة أكبر عن التركيب الكيميائي لها.

وقال فليتشر «سنبحث عن أي دلالات تشير إلى وجود مركبات كيميائية فريدة، ويمكن أن تعد تلك المركبات مسؤولة عن حاملات اللون الأحمر.» وتعرف حاملات اللون على أنها تلك الجزئيات المسؤولة عن لون المركب، وأضاف فليتشر «وإن لم نجد مواد كيميائية غير متوقعة، عندها قد لا نجد حلًا للغز اللون الأحمر.»

وفضلًا عن التركيب الكيميائي، قد تساعد عمليات رصد التلسكوب على تحديد ما إن ولدت البقعة الحمراء العظيمة حرارة وأطلقتها إلى الطبقة العليا من الغلاف الجوي للمشتري، وربما تفسر هذه الظاهرة درجات الحرارة المرتفعة في تلك المنطقة، وأظهر بحث أخير مولته وكالة ناسا أن العاصفة أسفرت عن موجات صوت وموجات جاذبية، وأن هذه الموجات قد تكون المسبب لهذه الحرارة، ويرى فليشتر أن تلسكوب جيمس قد يجمع بيانات تدعم هذا البحث.

وأضاف فليتشر «تطلق أنشطة الحمل الحراري القوية موجات مختلفة، ولا يمكن أن تنطلق موجات العاصفة دون أن تعبر طبقة الستراتوسفير، ثم تعبر طبقة الأيونوسفير، وتصل أخيرًا إلى الثيرموسفير، إذًا لو كانت الموجات موجودة حقًا، وكانت مسؤولة عن تسخين طبقات المشتري العليا، فلا بد من دليل يثبت عبورها تلك الطبقات.»

تعاقبت على دراسة البقعة الحمراء العظيمة أجيال من الفلكيين، وعلى الرغم من أنها رصدت لأول مرة عام 1830، يرجح أنها كانت موجودة منذ أكثر من 350 عام، وما زال طول عمرها لغزًا يستعصي على العلماء، لكن فليتشر بيّن أن المفتاح لفهم تكوين أعاصير المشتري يكمن في مراقبة دورة حياتهما بالكامل بدءًا بالنمو ثم الانكماش وأخيرًا الموت. والمشكلة هنا أن طول عمر هذه العاصفة حال دون رؤيتها في مرحلة التكوين، ومن غير المرجح أن تموت قريبًا، غير أن عمليات رصد تلسكوب هابل ومراصد أخرى بينت أن العاصفة تمر بمرحلة الانكماش. وفي جميع الأحوال، على العلماء أن يتجهوا نحو رصد عواصف أصغر عمرًا على الكوكب ليدرسوا كيف بدأت وتطورت، ووفقًا لفليتشر، قد يبحث تلسكوب جيمس مهامًا من هذا النوع مستقبلًا.

وأخيرًا قال فليتشر «ستبين لنا عمليات الرصد بنية العاصفة العمودية، والتي ستفتح آفاقًا جديدة في دراسة مناخ كوكب المشتري، إذ ستمثل مرجعًا مهمًا في نماذج المحاكاة الرقمية، وإن استطاعت النماذج أن تفسر ما رصده التلسكوب بالأشعة تحت الحمراء، سنغدو حينها خطوة أقرب من فهم كيف استطاعت تلك الدوامات أن تصمد طوال هذه الفترة.»