التحايل الذهني والحسي

يُنتج الذكاء الاصطناعي واقعًا افتراضيًا يبدو كالحقيقة بشكلٍ متزايد، ما يجعل الحدود بين «الإنسان» و«الآلة» تضمحل رويدًا رويدًا. ونحن نُعلّم الذكاء الاصطناعي اليوم كيف يتغلب علينا في الألعاب، ونراقب ربما بتوجس استجابته كتلميذ ذو طاقات غير محدودة. وفي الوقت الذي يتراجع فيه رواج العالم الذي تحمل فيه عبارة «كي تصدق لا بد أن ترى» أهمية معينة، يتقدم الواقع الذي يجعلك تشكك ببياناتك الحسية، القابلة –كأي بيانات أخرى- للاختراق أو التزييف، الموجهان في هذه الحالة نحوك، ومن أجلك.

تطورَ الدماغ البشري للحفاظ على سلامتنا في عالم مليء بالحيوانات المفترسة، والمياه العميقة الخطرة، والمنحدرات المرتفعة والحواف الحادة. وتطلّب تحسين بقاء وتكاثر مورثاتنا دخلًا حسيًا دقيقًا، وأدى اعتماد أجيال على تلك البيانات إلى نشوء مخاوف تبدو حقيقيّة كتجارب نمر بها فعلًا. فحركة جسم بسرعة ضمن مجالنا البصري ترعبنا، ورؤية قطرة فجأة تؤدي إلى تسارع ضربات قلبنا، وندرك وجود خطر يجب تجنبه من أجل البقاء.

تعلّمنا اليوم أنه بإمكاننا العمل والتعلّم والتلاعب بأعلى المستويات الحسيّة من خلال خداع عقولنا لترى أشياء غير موجودة حقيقةً. وحولنا تلك الدروس نحو الذات، فشكّلنا الدرس وقدمنا التفسير الخاص بأدمغتنا مُترجمًا إلى بيانات حسية واضحة ودقيقة؛ أي، قدمنا لأنفسنا فرصًا تعليمية مبنية على تجاربنا الحسية.

تُغير الأجهزة الحسية الذكية عمق تجربتنا للواقع الافتراضي، فتقدم سماعات أوكيولوس مثلًا إلى جانب تطبيقات الترشيح الصوتي مثل إتش آر، إحساسًا حقيقيًا بالانغماس في البيئة الافتراضية، وهو أمر استطعنا تحقيقه مؤخرًا فحسب. ويمكن اليوم أيضًا أن تشم أشياءً دون أنف، والفضل في ذلك يعود لتطورات في تقنية «الشم الاصطناعي» التي تنتجها شركات متعددة منها إي نوز. ونستطيع أيضًا تذوق أشياء غير موجودة، بل وإرسالها أيضًا إلى بعضنا حتى نتذوقها. وفي حال عملت هذه التجارب الحسية الاصطناعية بصورة متزامنة، قد لا نتمكن من تحديد أين هو الواقع الافتراضي وأين الفعلي، أو تمييز الحقيقي من غير الحقيقي.

انقر هنا لاستعراض الإنفوجرافيك الكامل
انقر هنا لاستعراض الإنفوجرافيك الكامل

في الحقيقة، قد تتمكن التجارب الافتراضية قريبًا من تزويدنا ببيانات حسية أكثر من تلك التي نحصل عليها بالأساليب التقليدية؛ تجربة أكثر «واقعية» من الواقع. وسيكون ذلك أكثر قوة، وفق موقع تيك كرانش، بمساعدة التحفيز الكيميائي، الذي سيقوي نقاط التشابك التي تبني ذكرياتنا.

أصبح الاعتماد على أدمغتنا لنذكّر أنفسنا بما هو حقيقي تحديدًا لأننا نعلم أننا لن نتمكن من الوثوق بالبيانات التي تنتجها أدمغتنا ذاتها، هو مفارقة تبدو اليوم مسليّة حقًا. لكنها إحدى أكثر لحظات السايبورغ إدهاشًا في السنين المقبلة هي دمج التقنية مع الجسم البشري بهدف الحصول على تجارب افتراضية أكثر واقعية.

اكتشاف عوالم جديدة

تتجاوز تبعات القدرات التي طورناها لخداع أدمغتنا مجال التسلية، فهي تغير من أسلوب تعلمنا، وعملنا وكيف نتواصل مع بعضنا البعض، ناهيك عن تحفيزنا لتعلم كيف نستعيد المرونة العصبية ونستخدمها لخدمتنا. يكشف لنا البحث عن التجربة الافتراضية الكاملة عوالم جديدة لكل من يرغب بتجربتها.

يمكننا حاليًا القيادة بين قلاع رملية أو تحديد منطقة معادية، فنحن نستخدم الواقع الافتراضي لنتعلم وندرس، ونذهب في رحلات إلى المتاحف، ونتعلم كيف تعمل الأعضاء البشرية. ويغيّر الواقع الافتراضي من طريقة عملنا أيضًا، فيخفف من آلام المرضى ويسمح للمطورين بإنشاء نماذج أولية من تطبيقاتهم.

لم تكن لتنجح كل تلك الأمور لو لم تكن تقنياتنا ماهرة إلى هذا الحد في خداع حواسنا. ويعود الفضل طبعًا للتقنيات وتطورها وتحسّن تحايلنا على الحواس البشرية، إلا أن كل تطبيق من تلك التطبيقات الافتراضية يحمل قيمة أعمق لنا كنوع بشري.