إعادة المُعايَرة

في العام 1967 عزم العلماء في «الاجتماع السنويّ الثالث عشر لِلجْنة الأوزان والمقاييس» على تعديل وحدة الزمن، فقرَّرت اللجنة أنَّ «الثانية العِلمية» ستُصبح مبنيَّة على الدورات الإشعاعية لذرة «السيزيوم-133» التي تُعتبَر من أكثر الذرات استقرارًا؛ وليكون الكلام أكثر دقة سنقول إن «الثانية» عُرِّفت هكذا «الثانية هي المدة اللازمة لحدوث 9,192,631,770 دورة إشعاعية صادرة عن انتقال إلكترون بين مستويَيْ طاقةٍ فائقَي الدقة في الحالة الأرضية لذرة السيزيوم-133.»

تَعتمِد أمور كثيرة على أنظمة القياس القائمة على وحدات مثل «الثانية،» منها حسابات العلماء، وحركات الأقمار الصناعية، والاتصالات محكَمة التنسيق، ورحلات الفضاء؛ ودقة مثل هذه الوحدات هي الخط الفاصل بين الحياة والموت، ولهذا يُعيد العلماء حاليًّا تقييم أربع وحدات: الأمبير، والكِلفن، والكيلوجرام، والمول.

معروف أنَّ الأرض تَدُور بدقة واستمرار، ودورانها هو ما منح البشر أيامًا ذات 24 ساعة وزمنًا يُقاس بالدقائق والثواني والأسابيع والسنين؛ لكنْ ليس في نظام الطبيعة كمالٌ، فمَدار الأرض ودورانها يَطرأ عليهما اختلاف وإن بدا طفيفًا، وربما كانت الوحدات التاريخية مبنية على عوامل تتغير بمرور الزمن أو لم تُحدَّد بدقة من البداية؛ وإن كان الاعتماد على حركة الأرض الطبيعية ومكانها من الكون يكفي أسلافنا، فذلك لا يكفي تقنياتنا الحاليَّة التي تتطلَّب دقة أعلى بكثير.

قال ديفيد نوِيل -فيزيائيّ في «المعهد الوطنيّ للمعايير والتقنية»- لمجلة وايرد: من المنطقيّ أن يكون نظام القياس مبنيًّا على ثوابت طبيعية.

ولأهمية دقة وحدات القياس، عزم علماء من جميع أنحاء العالم على استخدام طرائق قياس مُعدَّلة ودقيقة لزيادة دقة وحدات القياس الحاليَّة.

حقوق الصورة: Free-Photos / Pixabay
حقوق الصورة: Free-Photos / Pixabay

قياس المستقبل

أرسل العلماء المتطلِّعون إلى تحسين وحدات القياس حساباتهم النهائية إلى «المؤتمر العام للأوزان والمقاييس» الذي سيعكُف على دراسة هذه الوحدات، ومن العام المقبل ستُصبِح كل الوحدات الحاليَّة -عدا «القَندِيلة»- مبنيةً على ثابت أساسيّ طبيعيّ كسُرعة الضوء.

الكيلوجرام مثلًا حَدَّده العلماء في العام 1889 اعتمادًا على كتلة أسطوانة مُحكمة الصَّقل صُنعَت من خليط البلاتين والإيريديوم لتُمثِّل كتلة دِيسِيمتر مَكعَّب من الماء؛ لكن مشكلة هذا المعيار الدولي -المُخزَّن في قبو خارج باريس- أنه ليس ثابتًا، فكُتلته تزداد بنحو 50 ميكروجرام/قَرْن نتيجة تراكم الغبار. ولِرَفع دقة وحدة القياس هذه وإقامتها على ثابت عالميّ، صار العلماء يستخدمون ثابت بلانك؛ وستُجرى مثل هذه التغييرات والتحسينات مع الوحدات الأخرى؛ فبإقامة وحدات القياس على ثوابت عالمية سيَسعنا القياس بثقة وبلا ذرة شك أيًّا تَكُن المتغيرات.

قال مارتِن ميلتون، مدير «المكتب الدولي للأوزان والمقاييس،» لمجلة وايرد «من البواعث المبكرة لغضب الفَرَنسيِّين عدم وجود نظام قياس عالميّ مناسب وعادل.» ساعدت الثوابت المُوحَّدة للبضائع -كالحُبوب- ذات يوم على حماية البيَّاعين والمشترين من الغش، أما اليوم فهي التي تَصُون تَقدُّم البشرية، وضَبْطها ضبطًا صارمًا هو ما سيساعد على تقدم علم البشر وابتكارهم، سواء كانوا يحاولون إطلاق صاروخ إلى مكان محدد في المجرة أم كانوا يحاولون مجرد وزْن أنفُسهم؛ فتطوُّر البشر وتقدُّمهم لا يَخلو من القياس.