صارت الحلقة المضيئة المتوهجة في ظلام المطبخ مألوفة في بيوت عديدة، إنها «أليكسا» (المساعِدة الذكية) وهي تتصل اتصالًا مستمرًّا بمركز سيرفرات «أمازون» الموجود في شمال فرجينيا على بعد آلاف الأميال.

لاقت السماعات وأجهزة المساعَدة المنزلية الذكية -مثل «أمازون إيكُو» و«جوجل هُوم»- نجاحًا هائلًا، إذ استثمر في مثل هذه التقنيات عشرات الملايين من الأمريكيين، سامحين بوجود ميكروفونات شغالة دائمًا في منازلهم. وفي إزاء ذلك الأجهزة الذكية المتصلة بالإنترنت، كالتلفازات الذكية والمَحامِص المتصلة بالإنترنت وأجهزة مراقبة الأطفال المزودة بالواي فاي؛ كل هذا يفتح باب اتصال أجهزتك المنزلية بالعالَم الخارجي.

لكن  معهد بروكينجز أجرى استطلاعًا مؤخرًا أشارت نتائجه إلى أن الناس ما زالوا مترددين في مسألة استخدام «الروبوتات» (هذا هو اللفظ المستخدَم في الاستطلاع) في منازلهم. خاض الاستطلاع 2,021 مستخدِمًا إنترنتيًّا بالِغًا في يونيو/حزيران الجاري، وكان محور الاستطلاع: هل يَرَون أن الروبوتات ستتولى الأنشطة البشرية اليومية العادية في غضون 30 عامًا أم لا؟ والمفاجأة أن 61% منهم أجابوا بأنهم «غير مرتاحين لوجود روبوتات» في منازلهم، في حين أجاب 16% منهم فقط بأنهم «مرتاحين.»

يسع تلك الأجهزة الذكية تسهيل حياتنا بقراءة الأخبار لنا مثلًا أو إعلامنا باحتمالية هطول المطر، وكان هذا كافيًا لإقناعنا بقيمة تلك الأجهزة؛ فلماذا لسنا مرتاحين لوجود «روبوتات» في منازلنا إذَن، مع أننا نُحيط أنفسنا بالفعل بأجهزة تهدِّد أمننا وخصوصيتنا التهديد المحتمَل ذاته؟

إنَّ أجهزة المساعدة الذكية والأجهزة المتصلة بالإنترنت وسائل مفيدة ينبغي استغلالها، لا نبذها؛ صحيح أنها لا تستطيع بعد الائتمار بكل أوامرك، لكنها ممتازة في جمع معلوماتك: جودة نومك، وما تفضِّل مشاهدته من برامج ومسلسلات ونحو هذا، والموعد الذي أحكمت فيه غلْق باب منزلك، والمواعيد التي تفقَّدتَ فيها جهاز مراقبة طفلك.

لكن لها مع هذا سلبيات عديدة، فالخطر المحدق بنا وبخصوصيتنا لا ريب فيه؛ ومؤخرًا أجْرتْ صحيفة نيويورك تايمز حوارات مع 30 ضحية من ضحايا الانتهاك المنزلي، حوارات أوضحتْ كيف «صارت التقنيات وسيلة جديدة مقلِقة» من وسائل المنتهِكين، إذ يتجسسون على ضحاياهم بالأجهزة المتصلة بالإنترنت، أو يعبثون بها، فيُقلقونهم وينتهكون خصوصيتهم؛ وليس ذلك التقرير إلا نقطة في بحر.

مع وجود كل هذه الأجهزة في عشرات الملايين من المنازل، يصعُب على الواحد أن يفهم الداعي إلى استثناء الروبوتات، لكن قالت جوان برانسكي (أول طبيبة نفسية خاصة بالروبوتات) لموقع مرصد المستقبل «من الفطرة البشرية الخوف من المجهول ومما لا يمْكن التحكم فيه، كالموت.» على مدى 50 عامًا ساهمت الثقافة الشعبية (تذكَّرْ «هال 9000،» و«دُلُورِس» في مسلسل ويستوورلد!) والعناوين الإخبارية الموضوعة للفْت الانتباه («الروبوتات تسيطِر!» مثلًا) في تخويف العوامّ من الروبوتات، وهذا قد يفسِّر عدم ثقتنا بها، ويفسر العناوين المستمدَّة من نتائج استطلاع معهد بروكينجز.

لكن في الاستطلاع ذاته ما يحْملنا على التأني وإمعان التفكير.

أولًا: غموض مصطلح «روبوت» فيه، فتصوُّر الناس له يختلف اختلافًا كبيرًا، من السيارات المستقِلة إلى البوتات المؤَتـْمَتة التي صار بوسعها أن تردَّ عليك هاتفيًّا؛ ومع هذا فالاستطلاع لم يسأل المشاركين فيه عن تصوُّرهم للمصطلح. وقالت جوان «تخيلْ لو أنهم سألوا (أَتَراكَ تركب سيارة مستقِلة في المستقبل؟)! أراهن على أنْ كانت ستَختلف إجابة الذين قالوا إنهم غير مرتاحين لوجود روبوتات في منزلهم البالغة نسبتهم 61%.»

وثانيًا: لا يهم ما إذا كان أصحاب الاستطلاع اجتهدوا ووفَّقوا بين جنس المشاركين في الاستطلاع وسِنّهم ومناطقهم السكنية وبين تقديرات مكتب تعداد الولايات المتحدة، «فالمسألة متوقفة على تجربة المرء للتقنيات الروبوتية واستعداده لها ونظرته إليها؛ فهل تعامل المشاركون في الاستطلاع مع روبوت من قبل؟» لأن الأكيد أن تصورات الناس تختلف اختلافًا كبيرًا، بين شخص لا يرى له حاجة بالروبوتات، وشخص تعامل معها من البداية وقبِلها قبولًا تامًّا.

لا ريب في أن الروبوتات -وأجهزة المساعدة المنزلية الذكية- يمكن أن تنفعنا نفعًا كبيرًا، إذ يسعها أن تدعمنا ماديًّا وحتى عقليًّا، وسيمر وقت طويل جدًّا قبل أن تتفوق علينا؛ بل إن جوان ترى العكس، أن «الروبوتات لا تسيطر، بل تحل محلنا في الوظائف الخطرة والمملة والرتيبة المتكررة والحاطَّة من قدر الإنسان،» ولهذا ترى انبغاء أن نتقبل الروبوتات ونتعرفها ونبحث عن طرائق هادفة للتعايش معها.

هذا لا يعني أن نغض الطرف عن أي خطر محدق بنا وبخصوصيتنا، فهذا ليس بالتعايش الهادف؛ وإنما علينا أن نتعلم ونفتح أعيننا على تلك الأخطار، حتى نُبقي الشركات الكبرى -كجوجل وأمازون- داخل حدودها، ونضمن التعايش الإيجابي مع الروبوتات في المستقبل.