تنبَّأت جوجل منذ ستَّة أعوام بزمن نشهد فيه حواسيب الوجه وقد أصبحت إحدى التقنيات المشوقة في المستقبل. وفعلًا، استخدم سيرجي برين أحد مؤسّسي جوجل هذه التقنية لمشاهدة بث حيّ لهبوط مظلّي من منظور المظلّيين عبر نظارات جوجل الجديدة. وربَّما تلقى هذه التقنية ترحيبًا بين عُشَّاق التقنية وتدفعهم لممارسة الرياضات الخطِرة ومشاركتها مع أصدقائهم.

إلَّا أنَّ واقع تطبيقات حواسيب الوجه لا يبعث على التفاؤل دائمًا. فمنذ ذلك الإنزال الجوّي الشيّق، لم نشهد تطوُّرًا ملحوظًا في تطبيقات الواقع المعزَّز باستثناء برامج غير مفيدة مثل: لعبة بوكيمون، ونظَّارات مخصَّصة لتطبيق سنابشات. ويشير هذا العجز في الاستفادة من تقنية الواقع المعزَّز إلى عدم نضوج التقنية بعد. لكنَّ ذلك ليس أمرًا سلبيًا بالضرورة، إذ ما زلنا لا نعرف الدور المناسب الذي يمكن تلعبه هذه التقنية في حياتنا. وتظهر في أحد حلقات سلسلة جليمبس (وهي سلسلة خيال علمي تخرجها استديوهات موقع فيوتشريزم بالاشتراك مع داست) نسخةً تخيُّليَّة من العالم في المستقبل تعتمد فيه الأجهزة القابلة للارتداء على تقنية الواقع المعزَّز. (يمكنك مشاهدة الحلقة في الأسفل.)

وقبل أن يبزغ فجر تقنية الواقع الافتراضي، ينبغي لنا أن ندرس جيدًا خططنا التي نُعِدُّها للاستفادة من هذه التقنية والحدود الأخلاقية التي علينا الالتزام بها. ويبدو أن المتصدّرين لدراسة هذه المشكلات هم أصحاب الشركات التجارية التي أتيح لها جمع معلوماتنا الخاصة عبر المستخدمين الذين سيتمتَّعون بالأجهزة المصمَّمة لهذه التقنية.

«وقبل أن يبزغ فجر تقنية الواقع الافتراضي، ينبغي لنا أن ندرس جيدًا خططنا التي نُعِدُّها للاستفادة من هذه التقنية والحدود الأخلاقية التي علينا الالتزام بها.»

علينا أن نبدأ بالبحث عن حلول لهذه المشكلات من الآن، إذ يبدو أنَّنا نخطو بسرعة نحو تطبيقات تستخدم تقنيات تسجيل عبر الكاميرات والميكروفونات وتدخل في أجهزة سنستخدمها في حياتنا اليومية. ولا يخفى علينا أنَّ شركات مثل آبل وبوز وإنتل تعمل بكلّ طاقاتها على تطوير هذه التقنيات، وإذا نجحت، فستغزو هذه الأجهزة بيوتنا مثل أجهزة الآيفون.

لا يصدر الخوف من حواسيب الوجه المدمجة بالواقع المعزَّز من مجرَّد أنَّها تقنية جديدة فحسب. فعندما تنضج تقنية الواقع المعزَّز، ستتمتَّع بقدرات أكثر من مجرَّد إسقاط بوكيمونات في الحدائق. وربَّما نصبح قادرين من خلال التقنية على دمج المعلومات بالبيئة المحيطة، ما يمنحنا قدرةً على تعلُّم أشياء كثيرة عن العالم حولنا. وقد تسهم التقنية أيضًا في تطبيقات مفيدة أخرى، مثل: مساعدة عمَّال المصانع على أداء المهمَّات اليدوية. لكنَّنا لا نستطيع أن نغمض أعيننا عن الجانب المظلم من تطبيقاتها أيضًا. إذ سيؤدّي انتشار الواقع المعزَّز في عالم تحكمه شركات التقنية الجشعة إلى استغلال بياناتنا الخاصة والشخصية وتسهيل استخدامها دون إذن ولا علم منّا.

وعندما يبدأ الناس باستخدام الأجهزة المدعّمة بالواقع المعزَّز وربطها بأنظمة تعرُّف على الوجوه، سيتمكّن المتلصّصون من انتهاك خصوصيَّاتنا بسهولة. ولنفرض أنَّك تمشي في أحد الشوارع، سيصبح التعرُّف عليك سهلًا للأشخاص الذي يرتدون نظَّارات جوجل المدعَّمة بالواقع المعزَّز من خلال مسح وجهك والوصول إلى حساباتك الإلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي. إنَّنا نقبل على زمن يسهل فيه التلصُّص وتعقُّب الناس والتنمُّر عليهم إلكترونيًّا. وكان الواقع المعزَّز مصدرًا للقلق منذ بداية تطويره. وأجرت شركة تولونا لأبحاث التسويق استقصاءً في العام 2014 بعد الإعلان عن نظَّارات جوجل تسأل فيه الناس عن رأيهم بهذا المنتج، فأجاب 72% من المشاركين بعدم رغبتهم في تجربته لأسباب تتعلَّق بالخصوصية.

«72% من المشاركين في استقصاء عام 2014 لا يرغبون في تجربة نظَّارات جوجل لأسباب تتعلَّق بالخصوصية»

ما الذي منع جوجل من طرح نظَّاراتها في الأسواق على مستوى تجاري؟ لا شكَّ أن السبب يعود إلى كاميرا التجسُّس الصغيرة. فمن خلال هذه النظَّارات تستطيع توجيه العدسة إلى جهة معيّنة بالتفاتة غير ملحوظة والتقاط صورة سريعة بغمضة عين، وبإجراء تعديلات بسيطة على برنامج الكاميرا، لن يعلم الشخص الذي صوَّرته بالأمر إطلاقًا. قرَّرت شركة جوجل لهذه الأسباب طرح منتجها للاستخدامات الصناعية فحسب، ويبدو ذلك أفضل قليلًا، إذ تحتاج إلى أمر صوتي وزر تشغيل لبدء تسجيل مقطع فيديو.

لا تتمتَّع أجهزة الواقع المعزَّز الحالية بهذا القدر من الخفاء. ولم تتطوَّر الأجهزة بسرعة تواكب تطوُّر التقنية، فهي ما زالت بارزة وكبيرة، ما أتاح للناس القدرة على ملاحظة المستخدمين لها وتجنُّب الوقوع في مشكلات اجتماعية.

ترغب الشركات بدمج تقنية الواقع المعزَّز في أجهزتها بطريقة غير لافتة للانتباه، في عدسات لاصقة ذكية مثلًا. لكنَّ ذلك يحتاج إلى أعوام أو ربَّما عقود قبل أن يصبح ممكنًا وقابلًا للتطبيق، إذ ما زالت تواجه هذه الشركات مشكلات تقنية وتحديات صعبة مثل: طريقة تزويد العدسات بالطاقة. ناهيك عن عدم تقبُّل الناس للفكرة ذاتها.

لا ريب أن التقنية تتطوَّر بسرعة. ولأوَّل مرّة، تجري الشركات الكبيرة اختبارات لمعرفة حدود قدرات الواقع المعزَّز في الأدوات المستخدمة يوميًّا بدلًا من إنتاج أجهزة مستقلة قابلة للارتداء. تقدّم عدسات جوجل مثلًا نموذجًا لمنتج يجيب على كلّ أسئلتك الصعبة، مثل: نوع كلب تراه في الشارع أو اسم بناء تمرّ بجواره. ولا يقف الأمر عند ذلك فحسب، بل سيتعدَّى إلى الأفلام والألعاب وإلى كلّ تفاصيل حياتنا. سيتسنَّى لنا معرفة ما نريد عن كلّ شيء تقع عليه أعيننا.

نحتاج إلى قواعد وقوانين تضبط استخدام الواقع المعزَّز، ولا مانع من أن تكون هذه القواعد على شكل تشريعات رسمية تحظر استخدام أنظمة التعرُّف على الوجوه في تقنية الواقع المعزَّز مثلًا، أو قوانين تحدُّ استخدام هذه التقنية في التلصُّص على الناس. إذا لم نتصدَّى لهذه المشكلات، فسنجد أنفسنا في عالم لا يحترم الخصوصية أبدًا.

لا نتمتَّع كأفراد بأيّ صلاحيَّات لمطالبة الشركات المطوّرة لهذه التقنية. لكنَّنا نستطيع مطالبة الممثّلين الحكوميّين بمعالجة هذه المشكلات. وعقد مجلس الشيوخ الأمريكي مؤخَّرًا جلسات محاسبة لشركات فيسبوك وتويتر لتورُّطهم في التلاعب بالانتخابات الأمريكية، لذا ليس مستحيلًا أن ننجح في تسليط الضوء على الشركات المطوّرة للواقع المعزَّز واستجوابها إن لزم الأمر.