المكون الخفي للكون

إنها مفارقة كونية: أكبر الأشياء في الكون قد تكون الأصعب للعثور عليها.

بدأت إليزابيث بلانتون، أستاذة علم الفلك في جامعة بوسطن، البحث عن عناقيد مجرات بعيدة منذ أكثر من 20 عامًا. وتفوق كتلة عنقود مجري واحد أحيانًا كتلة كوادريليون شمس (مليون مليار شمس)، لكن العناقيد البعيدة باهتة لدرجة أنها غير مرئية إلا بأكبر التلسكوبات الأرضية. وتضم العناقيد البعيدة أجزاء من قصة تشكل هيكل الكون الذي يشبه الشبكة، وقد تعطينا فكرة عن الطبيعة الحقيقية للطاقة المظلمة والمادة المظلمة. وحقق بحث فريقها نتائج مهمة؛ فهرس يضم نحو 200 عنقود مجري جديد محتمل، وإذا تأكدوا منها، فستكون من أبعد العناقيد المجرية التي عثر عليها. ونشرت النتائج الجديدة، والتي ستكون أداة مفيدة لعلماء الفلك في جميع أنحاء العالم، في 26 يوليو/تموز 2017، في طبعة من مجلة أستروفيزيكال جورنال بفريق يضم راشيل باتيرنو ماهلر، وطالب الدكتوراه إيميت جولدن ماركس، وجاجنديك أناند وجوشوا وينج وزملاءهم في جامعة ميسوري-كانساس سيتي ومركز هارفارد سميثونيان للفيزياء الفلكية.

تضم عناقيد المجرات آلاف المجرات وتريليونات النجوم أحيانًا، وهذا ما يستطيع الفلكيون رؤيته بالتلسكوبات العادية. ويتوهج الغاز الساخن بين المجرات بالأشعة السينية، ويظن علماء الفلك أن أكثر من 85% من كتلة كل عنقود مختبئة على صورة مادة مظلمة. وللكون ثلاثة أبعاد، وهو شبكة من الخيوط الساطعة والفراغات السوداء، حيث تشغل مجموعات المجرات النقاط التي تتقاطع فيها الخيوط. وهذه التقاطعات في الشبكة الكونية دليل على سرين كونيين رئيسين: المادة المظلمة، وهي المادة غير المرئية التي تتخلل المجرات والمساحات بينها، والطاقة المظلمة، والتي تدفع بالتوسع المتسارع للكون. ووفقًا لتوقعات العلماء، تشكل المادة المظلمة والطاقة المظلمة حوالي 95% من كوننا، لكن علماء الفيزياء الفلكية يعلمون بوجودها بصورة غير مباشرة فحسب، نتيجة تأثيرها على النجوم والمجرات التي تضيء السماء.

وقالت باتيرنو ماهلر، المؤلفة الأولى للورقة الجديدة، والتي تمهد لسلسلة قادمة من فريق بلانتون، إن عناقيد المجرات البعيدة المحتملة قد تساعد الباحثين على تحديد خصائص المادة المظلمة والطاقة المظلمة. والعناقيد المجرية مفيدة جدًا لتعلم أمور جديدة عن الظواهر الكونية، كمقدار الطاقة المظلمة والمادة المظلمة.»

تتبع المجرات

يستطيع الباحثون أيضًا تجميع جدول زمني لكيفية تشكل عناقيد المجرات وتطورها، بمقارنة العناقيد البعيدة مع القريبة. ولأن الضوء سافر من العناقيد البعيدة مليارات السنين قبل الوصول إلى الأرض، لذلك يرى علماء الفلك تلك العناقيد بصورتها في ذلك الوقت. وقال مارك برودوين، أحد مؤلفي الدراسة وأستاذ الفيزياء وعلم الفلك المساعد في جامعة ميسوري-كانساس سيتي «إذا أردنا أن نتعلم كيف تتشكل العناقيد وتتطور، فعلينا دراسة العناقيد البعيدة، التي نراها بصورتها من الماضي.» ولأن عناقيد المجرات تعطي علماء الفلك إمكانية الوصول إلى عينة كبيرة من المجرات المتشابهة في العمر، فهي توفر أيضًا مختبرًا لدراسة كيفية تغير المجرات الفردية مع مرور الزمن. وقالت بلانتون «إنها مجموعة من المجرات من نفس الحقبة، متجمعة مع بعضها البعض في الفضاء، وسنقارنها بالمجرات القريبة.»

صورة ضوء مرئي من مسح سلووان الرقمي للسماء (يسارًا) تبدو فارغة تقريبًا، لكن صورة من تلسكوب سبيتزر الفضائي (يمينًا) تكشف عن عشرات المجرات البعيدة. تكشف خريطة الموجات الراديوية المتراكبة (الخطوط الخضراء) عن تحرك مجرة بالنسبة لغاز العنقود المجري. حقوق الصورة: بلانتون وآخرون.

تبدو المجرات البعيدة عن الأرض خافتة. ويجب توجيه التلسكوبات الضوئية التقليدية نحو مكان واحد في السماء لفترة طويلة لجمع ما يكفي من الضوء للكشف عن عنقود بعيد، ومسح السماء بأكملها بهذه الطريقة هدر للوقت. وبحثت بلانتون وفريقها عن البيانات المؤرشفة لإيجاد أدلة عن مكان وجود العناقيد، ثم أتبعتها بمسح تلسكوب مستهدف، لإنشاء الفهرس الجديد. ودعمت مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية ووكالة ناسا البحث المخصص لدراسة هذه العناقيد واسمه كوبرا بمنح عدة.

وبدأ العلماء بتتبع الأدلة واضعين في الحسبان أن في مركز كل مجرة كبيرة تقريبًا ثقب أسود فائق الكتلة. وتلتهم هذه الثقوب السوداء ما يقترب منها بصورة فوضوية، وتقذف بعض الغبار والغاز الداخلين على صورة انبعاثات هائلة الحجم. وتمدد هذه المقذوفات المجرة وما حولها، وينتج عن ذلك هدير موجات راديوية يستطيع الفلكيون التقاطه بالتلسكوبات الراديوية على الأرض. فإن كانت المجرة تخترق صدفة غاز عنقود مجري ساخن (أو إذا كان الغاز يخترق المجرة)، تتدفق المقذوفات على هيئة حرف سي «C»، وهذا الشكل هو أول دليل على احتمال وجود عنقود مجري.

ودرس فريق بلانتون مسوحات السماء الموجودة، ووجدوا نحو ألفي شكل مشابه. ثم قارن الباحث وينج تلك العناقيد المجرية المحتملة بالصور الضوئية من أرشيفات مسح سلووان. وقالت بلانتون إن أهم العناقيد المحتملة تبدو معتمة في صور مسح سلووان، أي أن الإشارة الراديوية أتت من عناقيد بعيدة جدًا لا يستطيع تلسكوب مسح سلووان رؤيتها نهائيًا.

وبعد حصر الاحتمالات بصورة أدق، استخدم الفريق تلسكوب سبيتزر الفضائي لرصد 650 عنقود مجري محتمل، واحدًا تلو الآخر. (إن تلسكوب سبيتزر أكثر حساسية للأشعة تحت الحمراء، والتي لا يمكن رؤيتها بالعين البشرية، لكنها مثالية لرصد المجرات البعيدة). وحسبوا عدد المجرات في كل صورة من سبيتزر وقارنوها مع العدد النموذجي للمجرات في منطقة مشابهة من الفضاء بمساعدة الحاسوب. ويدل وجود عدد كبير غير عادي من المجرات -يسمى الكثافة الزائدة- على وجود عنقود مجري.

وعلى الرغم من ذلك، فالكثافة المجرية الزائدة ليست دليلًا قاطعًا على أنها عناقيد مجرات. وقالت بلانتون «إنها صور ثنائية الأبعاد لتوزع ثلاثي الأبعاد للأجرام. وقد يكون بعض هذه الأجرام في المقدمة، وبعضها الآخر في الخلفية.» وهذا قد يوهم بوجود عنقود مجري غير موجود أساسًا. والخطوة التالية للفريق قياس المسافة بين كل مجرة في العنقود المحتمل للتأكد من وجود هذا التجمع، وأنه ليس وهمًا بصريًا. ويعمل جولدن ماركس اليوم على حساب المسافات بين بعض المجرات باستخدام تلسكوب محطة ديسكفري الذي يبلغ قطره 4.3 أمتار، وتأمل بلانتون باستخدام تلسكوب هابل الفضائي وأحد تلسكوبي كيك في هاواي، اللذان يبلغ قطرهما 10 أمتار، للحصول على قياسات أدق. وبمجرد تأكيد المسافات، سيستطيع الفريق ترتيب العناقيد وفقًا لعمرها، والتأكد أن لائحة الفريق تتضمن فعلًا أبعد عناقيد المجرات المكتشفة.