العولمة

قيل لنا أن الشركات الصغيرة هي شريان حياة الولايات المتحدة الأمريكية، بل أكثر من ذلك، تعرف بأنها ركيزة الدخل الاقتصادي لمليارات البشر في العالم. وفي مقابلة أجراها مرصد المستقبل مؤخرًا مع روبرتو أزيفيدو مدير عام منظمة التجارة العالمية خلال القمة العالمية للحكومات في دبي، أكد روبرتو على الأهمية الكبرى لأصحاب المشاريع المحلية، فقال «يعمل من 60% إلى 90% من الموظفين في جميع أنحاء العالم في شركات متوسطة وصغيرة. ومن واجبنا التحرك لدعم تلك الشركات.»

ويجب مساعدتها فعلًا لأنها آيلة للسقوط.

أدى نشاط الشركات الأجنبية غير الخاضعة للمعايير الأمريكية لحماية البيئة أو حقوق العمال أو قوانين الملكية الفكرية إلى انخفاض في ثمن البضائع التي تنتجها، فآلت الأجور والأرباح في الولايات المتحدة الأمريكية إلى المصير ذاته.

يعمل من 60% إلى 90% من الموظفين في جميع أنحاء العالم في شركات متوسطة وصغيرة. ومن واجبنا التحرك لدعم تلك الشركات.

وعندما طلب من روبرتو أن يتحدث عن أثر العولمة على أصحاب الشركات الصغيرة والزوال المبكر لمشاريعهم التجارية، قال روبرتو أن تلك التطورات قد تجلب حظًا جيدًا معها، فقال روبرتو «إن العولمة هي مستقبل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وستحقق تلك الفئتان أكبر فائدة منها.»

يصعب تصديق ذلك، فشركات ضخمة أمثال وول مارت وأمازون وعلي بابا تهدد بطرد كافة منافسيها بفضل دورها كمراكز قوة مهيمنة، ما يؤدي إلى تلاشي جميع الشركات المتوسطة والصغيرة، وإذا ألقينا نظرة إلى شركة أمازون مثلًا، فنجدها تبيع تشكيلة واسعة من المنتجات تشمل الألبسة والكتب، وحتى أنها تبث الأفلام والبرامج التلفزيونية، وبدأت مؤخرًا في بيع الأطعمة محليًا وإلكترونيًا عندما اشترت شركة هول فودز ماركت مقابل 13.7 مليار دولار، فلا تستغرب إن أصبحت أمازون الجهة الوحيدة التي تبيع كافة المنتجات في المستقبل القريب.

لعقود ساهم المنافسون الخارجيون والأجانب في إغلاق الشركات الصغيرة في الولايات المتحدة الأمريكية، ولم يمنع هذا من ازدهار بعض الشركات الصغيرة، ومع ذلك فإن ما ازدهر منها لا ينتمي عمومًا إلى فئة المؤسسات الصغيرة التي رسمت يومًا معالم اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية، ولكنها تلك التطبيقات التي انطلقت عبر شركات ناشئة أسسها طلاب جامعيون، ولم تكن تلك الشركات يومًا شريان الحياة الذي عاشت عليه اقتصاديات الدول.

ولا ضير من مناقشة النواحي الإيجابية والسلبية للعولمة لأنها أصبحت واقعًا، ولا يمكننا إيقافها، وقال روبرتو «نحن على علم أن شركات كأمازون لن تبرح مكانها، فالشركات العملاقة ستبقى موجودة دائمًا، غير أن الشركات الصغيرة والمتوسطة تسعى إلى النمو لتصبح مثل أمازون، وتلعب المنافسة بين هاتين الفئتين دورًا مهمًا في النمو، وعلينا الحرص على أن تكون في موقع يسمح لها بالمنافسة.»

حقوق الصورة: نيك ماكميلان

يد العون

إذن بوجود العولمة، كيف نضمن مستقبلًا آمنًا لجميع الأطراف؟ لم يتوصل روبرتو إلى إجابة عن هذا السؤال بعد، وقال «ليس من السهل الاستعداد لعالم يتغير بأشكال عصية على التنبؤ، وعلينا المواظبة على دراسة ممارساتنا الخاصة ومؤسساتنا وبنيتنا التحتية.» ربما كان هذا أمرًا بديهيًا ومنطقيًا، لكن ماذا يعني من نواحي عملية؟

«ليس من السهل الاستعداد لعالم يتغير بأشكال عصية على التنبؤ، وعلينا المواظبة على دراسة ممارساتنا الخاصة ومؤسساتنا وبنيتنا التحتية.»

إذا كان العالم يتغير حقًا بالسرعة التي يراها روبرتو، فما هي فرصنا بالازدهار حتى إن توخينا أقصى درجات اليقظة؟ إذ قد تمضي أشهر وأعوام من المناظرات قبل أن نتمكن من إقرار تشريع معين، وعندئذ سيفوت الأوان على قطاعات عديدة وكثير من الناس الذين تعتمد حياتهم عليها.

وصرح روبرتو «لا بأس، يوجد متسع للجميع.» لكن يجب أن تواكب سياساتنا التطورات التقنية، ولا يمتلك العالم حاليًا البنية التحتية اللازمة لتنفيذ ذلك، ولا حتى التشريعات القانونية المناسبة.

وإذا لم تستطع سياساتنا التكيف سريعًا لتواكب التغييرات اللاحقة بمجتمعاتنا نتيجة للتطورات التقنية والعولمة المتزايدة، فربما نتمكن من تدريب الناس على التكيف بدلًا منها، وإحدى الخيارات البديلة التي يقترحها روبرتو أن تصبح القوى العاملة على مستوى رفيع من الخبرة والمعرفة، غير أن تلك المساهمة لا تؤثر أبدًا على الشركات الصغيرة، لكنها تتيح للعمالة إيجاد وظائف أخرى في شركات مختلفة.

ولا يمكننا حل مشكلة اندثار الشركات الصغيرة والمتوسطة عبر الحواجز التجارية ولا العزل، إذ يقترح روبرتو أنه عند مواجهة مسائل خلافية أخلاقية وهيمنة شبه دكتاتورية على التكتلات العالمية، يكمن الحل في تثقيف الناس وتوعيتهم ودعوتهم إلى توخي الحيطة والحذر.

ما زال البحث قائمًا عن أجوبة حاسمة، ولنأمل أن نجدها لأن العلاقات الدولية تحمل في طياتها مستقبل الشركات كافة، وقال روبرتو «العولمة ليست خيارًا بل واقعًا، ولن تبرح من مكانها، فهي كالهواء الذي نتنفسه.»