إشارات مشوَّهة

تصنف التدفقات الراديوية السريعة في القائمة ذاتها التي تحوي المادَّة المظلمة والثقوب السوداء ونجم صرح الفضائيين. إذ تُعَدُّ من الظواهر المحيّرة والملفتة للانتباه. وقد يكشف أحد الأبحاث التي تدرس هذه التدفقات عن تصوُّر جديد عن هذه الإشارات الراديوية القادمة من الفضاء.

تولد التدفقات الراديوية طاقة هائلة تعادل طاقة 500 مليون شمس، لكنَّها لا تستمرُّ أكثر من بضعة أجزاء من الثانية. ولدينا معلومات عن 30 نوعًا من التدفُّقات الراديوية السريعة، لكنَّ نوعًا واحدًا منها يكرّر نشاطه باستمرار هو التدفُّق الراديوي 121102. وأتاح هذا النشاط المتكرّر للعلماء تحديد مصدر هذه الإشارات على أنه من مجرَّة قزمة تبعد نحو ثلاثة مليارات سنة ضوئية عن الأرض.

وباستخدام بيانات جمعها مرصد أرسيبو في بورتوريكو، اكتشف باحثون أنَّ الإشارات المنبعثة من التدفُّق الراديوي السريع 121102 مشوَّهة جدًّا. ويشير ذلك إلى أنَّها عبرت خلال مجال مغناطيسي قويّ، ما يضيق دائرة المواقع المحتملة لتكون مصدرًا للتدفُّق.

ووفقًا للدراسة التي نشرها الفريق في مجلَّة نيتشر، فإنَّ المصدر المحتمل للتدفُّق الراديوي 121102 نجم نيوتروني غالبًا، وأن مستوى الدوران العالي لهذه التدفُّقات تضيق احتمالات البيئة المحيطة بهذا النجم إلى قيمة تعد على الأصابع.

ولم يرَ الباحثون مستوى دوران كهذا سوى قرب الثقوب السوداء الكبيرة. لذا قد تكون البيئة التي يصدر فيها تدفُّق 121102 قريبةً من ثقب أسود كبير. إلَّا أنَّ الباحثين يفكرون في احتمالات أخرى أيضًا، منها وقوع مصدر التدفُّق ضمن رياح سديمية ممغنطة أو أن يكون محاطًا ببقايا مستعر أعظم.

تقدّم هذه الإجابات تفسيرات محتملة، لكنَّ الفريق يرى أنَّ باحثين آخرين سيتفيدون أيضًا من هذه البيانات في طرح نظريَّات أخرى. وقال جيسون هيسلز من معهد هولندا لعلم الفلك الراديوي لناشونال جيوجرافيك «من المتوقَّع أن يخرج علينا عالم آخر خلال الأسابيع المقبلة ليقدم تفسيرات لم تخطر لنا على بال.»

حيرةً أكبر

يُعَدُّ التدفُّق 121102 مثالًا فريدًا للظواهر الغريبة لأنَّه تدفق متكرَّر. وزاد اكتشاف معدَّل دورانه المرتفع جدًّا في تفرده في الكون. وإن أثبتت الدراسة أنَّ مصدره يقع بالقرب من ثقب أسود، فقد يساعدنا ذلك على زيادة فهمنا للمركز المجرّي، وهو منطقة ديناميكية تقع بالقرب من ثقب أسود في مركز مجرّتنا. وإذا كان مصدر التدفُّق رياحًا سديميَّة أو منطقة محاطةً ببقايا مستعر أعظم، فسيسهم ذلك في بناء تصوُّرات جديدة عن هذه الظواهر بين النجمية.

ويعزو بعض العلماء «ومنهم فيزيائيون فلكيون في هارفرد» غرابة التدفُّقات الراديوية السريعة وفرادتها إلى مصدر اصطناعي أو -بكلمات أخرى- كائنات فضائية، على الرغم من بعد هذا الاحتمال. ولم تزد المعلومات الحديثة عن إشارات للتدفُّق الراديوي 121101 تصوّرنا عنها سوى تعقيدًا ضمن إطار فهمنا للكون، ما يجعل بعض التفسيرات التي تطرح فكرة المصدر الذكي ملجًأ أخيرًا لبعض العلماء الذين لا يجدون تفسيرات أخرى.

رُصِدت التدفُّقات الراديوية السريعة أوَّل مرَّةً عام 2007، لكنَّ أوَّل تكرار للتدفُّق الراديوي 121102 لم يُرصد حتَّى العام 2015. وخلال أعوام، لم يستطع الباحثون تضييق دائرة الاحتمالات إلى مجرَّة واحدة فحسب، بل إلى بيئة محدَّدة ضمن هذه المجرَّة أيضًا. لكن كلما تقدمت التقنية، نقترب خطوةً باتّجاه حلّ لغز هذه الظاهرة الفضائية الفريدة.