لا يمكن لشرطة نيويورك حاليًا أن تتعرف على فرد مجهول ما لم تقبض عليه، لكن تقارير جريدة وول ستريت جورنال أفادت بأن قسم التعرف على الوجه التابع لشرطة نيويورك يسعى إلى الحصول على قاعدة بيانات الولاية الخاصة برخص القيادة، ما يعزز قدرات التعرف على الوجه لدى الشرطة، ويمكنها من التعرف على ملايين السائقين الأبرياء إلى جانب المجرمين.

وإن نالت شرطة نيويورك مرادها، فلن تكون المرة الأولى التي تستخدم فيها تلك التقنيات على نطاق واسع، إذ اكتشف مركز الخصوصية والتقنية في جامعة جورجتاون في العام 2016 أنه يمكن إيجاد أكثر من نصف الأمريكيين البالغين من خلال صور رخص القيادة الخاصة بهم. ويحق للشرطة في 26 ولاية أمريكية أن تبحث في شهادات تسجيل المركبات، وتتوفر هذه الإمكانية أيضًا لدى مكتب التحقيقات الفيدرالية «إف بي آي» في 16 ولاية أمريكية.

ولا تخفف تلك الأرقام من وطأة الإزعاج الذي يتسبب به الاستخدام الجائر لتلك التقنيات، فضلًا على أن الأماكن التي تستخدم فيها التقنية على نطاق واسع لا تعد مثالًا يحتذى به في حماية الحقوق المدنية. لكن ما الأضرار التي ستصيبنا إن استطاعت الشرطة أن تتعرف على من تريد في أي مكان في العالم؟

الجوانب الإيجابية

على الرغم من الجوانب المظلمة للتقنية التي شاهدناها في المسلسل البريطاني الشهير «بلاك ميرور» فإن تقنيات التعرف على الوجه قد تفضي إلى نتائج إيجابية، فبالإضافة إلى المنفعة الجلية والمتمثلة في التعرف على المشتبه بهم في تحقيق جاري، فإن التقنية قادرة على تحقيق الآتي:

  • مساعدة مرضى الخرف التائهين. كأن تتعرف التقنية على البالغين التائهين الذين يعانون من اضطراب في قدراتهم الذهنية مثل مرضى ألزهايمر، وخاصة عندما يتيهون فلا يعرفون أنفسهم أو من أين جاؤوا. فمثلًا، قالت صحيفة وول ستريت جورنال أنه يمكن الاستفادة من هذه التقنية في حالة امرأة جزيرة ستاتن في مدينة نيويورك، التي كانت تعاني من مرض ألزهايمر ووجدتها الشرطة في العام 2014، ولم يستطيعوا التعرف على هويتها إلا بفضل مخالفة مرورية.
  • التعرف على المجهولين في المستشفيات. قد تساعد التقنية في اكتشاف هويات المرضى فاقدي الوعي ممن أحضروا إلى المستشفى دون بطاقة تعريفية، فتوفر على ذويهم عناء البحث عنهم. ويمكن استخدامها في التعرف على الجثث أيضًا.
  • التعرف على المجرمين المتوارين عن الأنظار. وفقًا لموقع ذا فيرج، تساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي حاليًا 43 ولاية أمريكية في التعرف على المجرمين المختبئين خلف أسماء زائفة؛ وذلك بالبحث في الوجوه المتطابقة على رخص القيادة التي يحملها أشخاص يختبئون خلف أسماء زائفة. فإن أدخلت تلك الأنظمة إلى قواعد بيانات الشرطة ومكتب التحقيقات الفيدرالية، فإن هذا سيعزز حتمًا من قدراتها، ويمكنها من التعرف على المجرمين المتوارين خلف أسماء زائفة ولو لم يصدروا رخص قيادة.

الجوانب السلبية

لن يصيبك الذهول حينما تعلم أن استخدام التقنية على نطاق واسع في الأعمال الشرطية ينعكس سلبًا على خصوصية المواطنين ويقيد حرياتهم. ومن هذه الجوانب السلبية:

  • تراجع حرية التعبير. خلال الأعوام الماضية، اعترف مكتب التحقيقات الفيدرالية بمراقبة الاحتجاجات والمسيرات التي أقامتها حركات مختلفة مثل «بلاك لايفز ماتر.» والمُلِم بوثيقة الحقوق في الولايات المتحدة الأمريكية يدرك أن حرية التجمع السلمي تعد حقًا أساسيًا من حقوق المواطن الأمريكي. لكن ماذا سيحدث لو تعرفت الجهات المعنية بتطبيق القانون على كل شخص في تلك التجمعات بالنظر إليه فقط؟ وعلينا هنا أن نضع في الحسبان المدن التي تشهد علاقة متوترة بين المجتمع والشرطة...فهل سيقبل الناس عندها على ممارسة حقوقهم إن علموا أن الشرطة تتعقبهم لتلك الممارسات؟
  • تكريس التحيز العنصري. لا تقتصر العنصرية على البشر فحسب، وإذا ظننت أن الحواسيب تخلو من العنصرية تجاه مجموعة محددة، فأنت مخطئ؛ فالخوارزميات تحمل تحيزات البشر الذين كتبوها، وهذا يشمل الخوارزميات المستخدمة في أنظمة التعرف على الوجه. ووجدت دراسة نشرت عام 2012 أن ستة خوارزميات رائدة في مجال التعرف على الوجه كانت أسوأ في مطابقة الوجوه السمراء مقارنة مع القوقازيين بيض البشرة. وتكررت النتائج ذاتها في دراسات أخرى، فوجدت أن الخوارزميات تعمل بأفضل حالاتها على الوجوه التي دربت للتعرف عليها، وهي غالبًا بيضاء البشرة.
  • اعتقال الأبرياء. وهو جانب سلبي جدًا ينتج عن التعرف الخاطئ على الوجوه ما يودي بالأبرياء إلى السجن لمجرد أنهم يشبهون أشخاصًا آخرين. وتدعي شركات التعرف على الوجه أن هذا الأمر بعيد الاحتمال. وأورد تقرير جامعة جورج تاون ادعاء شركة فيس فيرست -وهي شركة تبيع برمجيات التعرف على الوجوه- أن برمجيتها تتعرف على الوجوه بنسبة 95%، غير أن التقرير وجد أن هذه النسبة قديمة تعود لعقد مضى ولم تعد صالحة بصفتها معيارًا اليوم. ومع ذلك اتخذت فيس فيرست تدابير احترازية في عقودها لتحمي ذاتها من الأخطاء المحتملة، ومنها أن العقد الذي وقعته الشركة مع مكتب الحكومة الإقليمية في سان دييجو كاليفورنيا، يتضمن الشرط التالي «لا تقدم شركة فيس فيرست أي ضمانات لدقة المنتج أو اعتماديته خلال أدائه في التعرف على الوجوه.» فهل يشعرنا ذلك بالاطمئنان؟

تسليط الضوء على عيوب تقنية معينة لا يهدف بالضرورة إلى الحد منها، أضف إلى ذلك أن الجهات القانونية تسعى إلى استخدامها من منطلق النوايا الحسنة عمومًا. وقد تقدم الجهات التنظيمية ما يضمن استخدام تلك التقنية بما يتوافق والأنظمة والقوانين؛ كأن تسمح لمكتب التحقيقات الفيدرالية استخدامها في التحقيق فقط، وليس بصفتها دليلًا في الملاحقات القضائية.

ومثلما سنت تشريعات تحول دون تنصت الشرطة على المكالمات الهاتفية عندما انتشرت الهواتف في المنازل، فإن تقنية التعرف على الوجه في أمس الحاجة إلى مبادئ توجيهية. وبذلك نمنعها من أن تصبح سلاحًا بيد جهات إنفاذ القانون الفاسدة في المستقبل، ونحمي وجوهنا من عبء المساءلة القانونية غير المبررة.