نرى لكل شرطي في الأفلام البوليسية زميل يعاونه في عمله، ويعكف العلماء حاليًا على تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي لتصبح كهذا الزميل؛ لكن كيف؟ تخيل هذا: إرهابيّ سيُخلَى سبيله إن لم يُثْبت المحقِّق أنه كان موجودًا في مسرح الجريمة، لكن ليس أمام المحقق إلا بعض الصور المشوَّشة، ولا يستطيع أن يعثر فيها على ما يميز وجه ذلك الإرهابي، فيأتي هنا دور زميله الذكي الذي طوره العلماء، وبتعاونهما يصبح العثور على الدليل كإخراج الشعرة من العجين!

صحيح أن هذا كله محض خيال، لكن العلماء فعلًا قطَعوا مؤخرًا بأن الفريق المكوَّن من ذكاء اصطناعي وبشريّ محترِف مدرَّب أقدر على تمييز الوجوه الصعب تمييزها من فريق مكوَّن من محترفَيْن بشريَّيْن، أو حتى ذكاء اصطناعي يعمل بمفرده.

تأكد هذا للعلماء باختبار لم يكن فيه إرهابي ولا محقق طبعًا، ولم يكن في ظروف حساسة كتلك، بل كان اختبارًا روتينيًّا أجروه في مختبر بواسطة خوارزمية ذكية متطورة تُدعى «إيه 2017 بي؛» ونُشر بحثهم يوم الثلاثاء الماضي في مجلة «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم.»

يشير البحث إلى أن البشر يتعرفون الوجوه بطريقة مختلفة عن طريقة الذكاء الاصطناعي؛ فلو كانت طريقة الخوارزمية هي طريقة المحترفِين البشريين ذاتها لصارت نتائجهما متشابهة، لكن أفضلية نتائج الفريق المكوَّن من بشري وذكاء اصطناعي على نتائج فريق المحترفَيْن البشريَّين تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي له طريقته الخاصة في تمييز الوجوه، وهي طريقة ما زال مصمِّموه أنفسهم لا يعلمون عنها شيئًا.

ولمعرفة الأفضل في تعرُّف الوجوه، عرَض العلماء أزواجًا من الصور المشوَّشة على محترفِين مدرَّبين وعلى طلاب جامعيين غير مدرَّبين وعلى محلِّلين لبصمات الأصابع، وسألوهم هل الصورتان للشخص نفسه أم لا؛ فتفوق معظم المحترفين على «إيه 2017 بي» -مع أنه أفضل الخوارزميات التي مرت بهذا الاختبار-، لكن الذي تفوق على الكل كان الفريق الذي تعاون فيه «إيه 2017 بي» ومحترف بشري.

يصعب أحيانًا تصديق ما يُنشر في مجلة «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» من دون مزيد من البحث والتيقُّن، لأن أعضاء الأكاديمية يسعهم التوصية بنشر أبحاث معيَّنة دون غيرها؛ لكن هذا البحث مَر بمرحلة «مراجعة الأقران» الروتينية التي تمر بها الأبحاث في المجلات الأكاديمية الكبيرة قبل النشر، ويخطِّط الباحثون للحصول على براءة اختراع لكل من «إيه 2017 بي» والخوارزميات الأخرى التي اختبروها.

ويأمل الباحثون أن يساعد عملهم هذا على تطوير علم الأدلة الجنائية بتقليل نسبة الإيجابيات الزائفة ورفْع دقة تعرُّف الهوية في المحاكم. ونظرًا إلى صمود هذا البحث أمام التدقيق والمراجعة، فمن المرجَّح أن نشهد قريبًا استغلال «إيه 2017 بي» وغيره من الأنظمة الذكية في النظام القانوني، فيتحقق السيناريو الذي تخيلناه في بداية المقالة.