امتصاص الكربون

سجل باحثون في أستراليا ملاحظة جديدة وغربية عن كيفية استجابة الأشجار لدرجات الحرارة العالية. إذ وجد علماء من معهد هوكسبيري للبيئة في جامعة سيدني الغربية بعد مراقبة الأشجار لعام كامل، أن أوراق الأشجار تتعرق في درجات الحرارة العالية لتبقى على قيد الحياة.

كان يعتقد أن عمليتي التمثيل الضوئي والنتح؛ أي خروج المياه من النباتات، عمليتان متلازمتان، ولا يمكن لإحداهما أن تحدث دون الأخرى. إلا أن دراسة حديثة نشرت في مجلة «جلوبال تشينج بيولوجي» أظهرت أن الأشجار تتوقف مؤقتًا عن امتصاص الكربون خلال موجات الحر الشديدة، على الرغم من استمرار خروج المياه من خلال أوراقها. وتساعد عملية التعرق هذه على الحفاظ على درجة حرارة الأشجار والإبقاء على برودتها. وأثارت هذه الملاحظات المخاوف مما سيحصل نتيجة تفاقم مشكلة الاحترار العالمي.

تعرق الأشجار كرد فعل للارتفاع الشديد لدرجات الحرارة. حقوق الصورة: ببليك دومين بيكتشرز/ بيكسابيه.

وإن صحّت هذه التوقعات، فسيزداد تواتر ارتفاع درجات الحرارة وشدتها. وقال البروفيسور «مارك تيولكر» مؤلف الدراسة من معهد هوكسبيري للبيئة في جامعة سيدني الغربية، في حوار له مع صحيفة الجارديان «ستقلل الأشجار والغابات التي تغطي مساحات شاسعة من امتصاص الكربون في حال تعرض هذه المنطقة لموجات حارة. وسيؤثر هذا بلا ريب على قدرتها على العمل كمصرف طبيعي للكربون في حال تواترت الموجات الحارة وازدادت شدتها.»

وتثير هذه الاكتشافات التساؤل إن كان هذا يعني توقف الأشجار عن امتصاص الكربون تمامًا.

تأثير المناخ على الأشجار

زرع الباحثون لإجراء هذه الدراسة عشرات الأشجار والشتلات داخل كبسولات في موقعين مختلفين؛ غابة هوكسبيري وموقع آخر في ياراموندي بالقرب من سيدني. وأتاحت هذه الحجيرات للباحثين إمكانية التحكم الكامل في درجات الحرارة والمناخ وجميع المتغيرات الأخرى.

حاول الباحثون في النصف الأول من هذه الكبسولات محاكاة بيئة زراعية ارتفع فيها معدل درجات الحرارة ثلاث درجات مئوية، وهذا نموذج لما ستكون عليه درجات الحرارة في المستقبل البعيد إن لم نحد من مشكلة التغير المناخي. وعرّض الباحثون الأشجار لموجات حر متعددة لمراقبة الكيفية التي ستتكيف بها. لكن لم يسجّل أي فرق في الاستجابة بين تلك الأشجار التي نمت في درجات حرارة أعلى وغيرها من الأشجار. وقال تيولكر «لا أهمية في هذه الحالة إن تعرضت الأشجار لظروف التغير المناخي الحالية خلال فترة نموها، أو تعرضت لارتفاع ثلاث درجات مئوية مستقبلًا، فالاستجابة متماثلة تمامًا.»

وأصبح من المعلوم الآن أن الشجر يستجيب للضغط عليه بطرائق متعددة، ويبدو أن التعرق إحداها. وغالبًا ما تعود أسباب هذا الإجهاد إلى الممارسات الخاطئة للإنسان؛ كالتلوث الذي تتسبب به الازدحامات المرورية أو الإصابات العرضية من جزازات العشب. وقد يؤثر هذا الإجهاد على مظهر الشجرة الخارجي، ويبطئ من نموها.

وسيتعين إجراء دراسات أكثر على أنواع أشجار أخرى لمعرفة إن كانت هذه هي الآلية المتبعة للتكيف عند أنواع الأشجار الأخرى خارج أستراليا أيضًا. ولا ريب أنها ستكون مشكلة حقيقية إن ثبتت صحة هذه الافتراضات، إذ يعود الفضل للأشجار في قدرتنا على العيش على كوكب الأرض؛ فهي المسؤولة عن امتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون الناتج عن عملية الزفير وتحويله إلى أكسجين.

وستصبح موجات الحر وفترات ارتفاع درجات الحرارة أكثر تواترًا وشدة إن لم تتخذ إجراءات حازمة للحد من تفاقم مشكلة التغير المناخي؛ فالتأثيرات التي ستنعكس على البشر والكائنات الحية الأخرى التي تعتمد على الأكسجين ستكون وخيمة إن بدأت الأشجار بتقليل نسبة امتصاصها للكربون أو توقف عنه تمامًا.

وما زال الباحثون بحاجة إلى إجراء دراسات أكثر ليتوصلوا إلى فهم أفضل لعملية تعرق الأشجار، وإن كان يحتمل أن تتوقف الأشجار يومًا عن امتصاص الكربون. وفي هذه الحالة قد تتوصل الأبحاث إلى ضرورة التدخل في الهندسة الوراثية للأشجار لضمان بقائنا وبقائها على قيد الحياة.