باختصار
عرض فريق مجمَّع جانليا البحثي نتائج اختبار أداة مبتكرة ترسم اتصالات الخلايا العصبية في الدماغ. تساعدنا هذه الأداة في تخيُّل طريقة اتصال الخلايا العصبية ببعضها، ويخطّط الباحثون لتصوير 1000 خليَّة عصبية من أجل مزيد من الاختبارات.

أكثر خريطة تفصيلية حتى الآن

علَّمتنا دروس علم الأحياء أنّ الدماغ يحتوي مئة مليار خلية عصبية. تملك الخلايا العصبيَّة امتدادات تُدعى المحاور الاسطوانية التي تنقل الإشارات عبر أجزاء تُدعى التغصُّنات على خلايا أخرى تستقبل الإشارة. ويعلم العلماء أنَّ هذه الصورة مبسَّطة للواقع، لذا طوَّر الباحثون في مجمَّع جانليا البحثي في معهد هاورد هيوز الطبي في آشبرن في فرجينيا أداةً جديدةً تسلّط الضوء على خلايا الفأر العصبية في الدماغ لتظهر تعقيد اتَّصالها ببعضها البعض.

استطاع الباحثون رسم خريطة اتّصال 300 خليَّة عصبية بصورة ثلاثية الأبعاد من خلال مشروع ماوسلايت نيورونبراوزر في جانليا. وتشكِّل هذه الصورة الخريطة الأكثر تفصيلًا للاتصالات العصبية الدماغية حتَّى الآن. وقال ويات كورف عالم الأعصاب ومدير فريق المشروع في مركز جانليا في مؤتمر صحفي «إنَّ قاعدة البيانات التي يوفّرها مشروع ماوسلايت هي الأكبر على الإطلاق. ستغيّر هذه الخرائط من تفاصيل الخلايا العصبية في الكتب المرجعية.»

حقن الباحثون فيروسًا يميّز بضعة عشرات من الخلايا العصبية في دماغ فأر، ثم هيَّأ الباحثون المنطقة الدماغية لتسهيل نفاذ الضوء عبر الأنسجة. التقط مجهر فائق السرعة صورةً للخلايا العصبية المُميَّزة من خلال تعريض الدماغ لنبضات ضوئية. استأصلت شفرات مبضع رجَّاج شريحة تبلغ 200 ميكرومتر من دماغ الفأر. كُرِّرت العملية عدَّة مرَّات حتّى تمكَّن العلماء من التقاط صور كاملة للدماغ.

حقوق الصورة: مجمَّع جانليا البحثي، فريق مشروع ماوسلاي.
حقوق الصورة: مجمَّع جانليا البحثي، فريق مشروع ماوسلاي.

عرض فريق جانليا نتائج بحثهم في لقاء سنوي عقدته جمعية العلوم العصبية في مقاطعة واشنطن في الثالث عشر من شهر نوفمبر/تشرين الثاني.

مجرَّد بداية

وقال نلسون سبروستن مدير البرامج العلمية في جانليا عبر بريد إلكتروني أرسله إلى موقع فيوتشرزم «نجح مشروع ماوسلايت بعد أن تضافرت جهود علماء متعاونين ومجتهدين يتمتَّعون بمهارات مختلفة.» وأكَّد سبروستن أنّ هذا العمل عمل فريق جماعي، ولا يمكن أن يحدث في مختبر تقليدي.

وقال سبروستن «إنّ رسم خريطة اتصالات 300 خلية عصبية الآن هو مجرّد بداية. إنَّنا نأمل أن نرسم خريطة 1000 خلية عصبية خلال الشهور الثمانية المقبلة. إلَّا أنَّ هذه الأرقام لا تشكّل سوى جزء ضئيل جدًّا من السبعين مليار خلية عصبية في دماغ الفأر. تخيَّل خريطة تتألَّف من 8000×8000 بكسل [64 مليون بكسل] لكنَّك لا تستطيع رؤية سوى بضعة مئات منها. إنّ ذلك قليل جدًّا لكنَّه بداية الطريق.»

ممَّا قاله سبروستن في محاولة لشرح آلية المشروع:

«من النقاط المهمّة أنَّ مشروع ماوسلايت يقدّم لنا بيانات تشريحية وبنيوية عالية الجودة عن الدماغ، ونظنُّ أنَّ هذه البيانات ستجتاز جميع الاختبارات بسبب المعايير المرتفعة التي يراعيها الفريق في تحقيق الدقة وتسمية الخلايا العصبية وإعادة رسم خريطتها. تتيح لنا التجارب اللاحقة الانتقال من الدراسة التشريحية إلى الدراسة الوظيفية. ويعد مشروع ماوسلايت مشروعًا مهمًا لكونه جزءًا من معادلة أكبر تقود في نهاية المطاف إلى فهم أفضل لوظائف الدماغ وآلية عمله.»

وإلى جانب تحسين شرح آليَّة عمل الدماغ في الكتب الجامعية والمرجعية، يقول سبروستن أنّ هذا البحث يؤسّس لفهم أفضل لبعض الأمراض العصبية الشائعة كمرض ألزهايمر ومرض لو جيرج.

وقال لفيوتشرزم «بدأنا فعلًا نتعلَّم أشياء عن الخلايا العصبية تسهم في فهم الأمراض. وستتابَع أمثلة أخرى من بحثنا على دماغ الفأر. يوجد نماذج جيدة للأمراض التنكسية العصبية في الفئران، لذا سيسهم تطبيق مشروعنا على هذه النماذج في فهم التغيُّرات التي تصيب المحاور الاسطوانية مثلًا عندما تبدأ الخلايا العصبية بالتنكُّس.»

وعندما سئِل عن احتمال إسهام هذا البحث في تطوير شبكات عصبية اصطناعية، أجاب سبروستن «هذه فكرة مثيرة فعلًا. إنَّ الهدف النهائي للعلوم العصبية من وجهة نظري هو فهم الأساس الحيوي العضوي لسلوك الحيوانات المعقَّد. يصعب توقُّع مقدار تأثير ذلك على تطوُّر الذكاء الاصطناعي، لكنَّ المؤكَّد أن البشر يستطيعون فعل أشياء لا يمكن للذكاء الاصطناعي تحقيقها. لذا كلَّما تعلَّمنا وفهمنا كيف يتصرَّف البشر وينجزون مهامَّهم، كان احتمال تحقيق هذه المهام من خلال الذكاء الاصطناعي أكبر.»