باختصار
  • قدمت التطورات الأخيرة للعلماء فهماً أشمل لمختلف الاضطرابات العصبية، والتي كشفت بدورها عن بعض المعارف حول كيفية عمل الدماغ.
  • كما أدت هذه التطورات إلى علاجات جديدة، يعتقد العديد من الباحثين بأنها ستكون متاحة على نطاق واسع للأشخاص الذين يعانون من مرض باركنسون، خلال 5 إلى 10 سنوات المقبلة.

ملاحظة المحررين: إن بنجامين ستيكر هو رجل كندي عمره 32 عاماً ويعاني من مرض باركنسون (PD). في شهر يوليو الماضي، ترك عمله من أجل تكريس المزيد من وقته لمعرفة كل ما في وسعه حول المرض وخيارات العلاج المتاحة. وهو الآن يدير موقعاً لمناقشة استنتاجاته وغيرها من المحتويات المستقبلية ذات الصلة.

وكتب قائلاً: "لقد أدركت بأن العلاجات التي يتم تطويرها لمرض باركنسون لا تمتلك فقط فرصة حقيقية جداً لجعل هذا المرض في أحد الأيام شيئاً من الماضي بالنسبة لي ولغيري من المصابين به، ولكن لديها أيضاً تطبيقات بعيدة المدى من شأنها أن تمتد إلى الجميع وتغير بشكل جذري من التجربة الإنسانية".


تغيير التجربة الإنسانية

يعدّ معظم ما يجري في أجسامنا مفهوماً بشكل جيد نوعاً ما في الوقت الحالي، باستثناء الدماغ. حيث إن هناك 100 مليار خلية عصبية من أنواع مختلفة في الدماغ وأكثر من 100 تريليون اتصال بين هذه الخلايا العصبية. وهي مسؤولة عن كل ما يفعله الشخص ويكون عليه، ولكنها لا تزال غامضة إلى حد كبير.

وقدمت التطورات الأخيرة في الوقت الحالي للعلماء فهماً أشمل لمختلف الاضطرابات العصبية، والتي كشفت بدورها عن بعض المعارف حول كيفية عمل الدماغ. كما أنها أدت إلى علاجات جديدة والتي يعتقد العديد من الباحثين بأنها ستكون متاحة على نطاق واسع للأشخاص الذين يعانون من مرض باركنسون خلال 5 إلى 10 سنوات المقبلة. وفي الحقيقة سيكون ذلك مجرد "الإصدار الأول" من هذه العلاجات، إذا جاز التعبير. ومع إتقاننا لهذه التقنيات، فسنستطيع تطبيقها على غيرها من الأمراض، مما يسمح لنا بعلاج مجموعة من الأمراض العصبية في "الإصدار الثاني" (بعد 10 إلى 20 عاماً)، مما يسمح لنا في نهاية المطاف بزيادة ذكاء وقدرات غيرهم من الأفراد الذين يبدون بصحة جيدة في "الإصدار الثالث" (بعد 20 إلى 30 سنة)، بل قد يسمح لنا بإبطال الشيخوخة.

ولكن دعونا ندع ذلك لبعض الوقت لنرى أين نحن وكيف يمكن أن نصل إلى هناك.

مرض باركنسون والشيخوخة

من خلال دراسة وعلاج الاضطرابات العصبية التنكسية مثل مرض باركنسون والزهايمر والتصلب الجانبي الضموري (ALS)، فقد تمكن العلماء من معرفة أنه عندما تموت الخلايا العصبية وعندما يتوقف إنتاج الإشارات الكيميائية عند عتبة معينة، فإن المشاكل تبدأ بالنشوء. ففي مرض باركنسون على سبيل المثال، لا تظهر الأعراض حتى موت 50-80٪ على الأقل من الخلايا العصبية المُنتجة للدوبامين في أجزاء معينة من الدماغ، ولكن الدماغ عند كل البشر يتدهور بمرور الوقت. حيث إن انتشار الجذور الحرة وتراكم البروتينات سيئة الانثناء التي تنشأ من مجرد الأكل والتنفس، كل ذلك يؤدي إلى موت الخلية.

ويذكر بأن كل واحد منا لديه كميات مختلفة من الخلايا العصبية السليمة وفق ترتيبات مختلفة، وهذا هو السبب في وجود هذا التنوع في القدرات الإدراكية للناس. والتطبيقات العلاجية التي يتم تطويرها حالياً لإصلاح القصور عند الأشخاص الذين يعانون من أمراض مختلفة، يمكن أن تُستخدم في أحد الأيام عند الأشخاص الذين لديهم مستويات دون المثالية من إحدى الخلايا العصبية الخاصة في جزء محدد من الدماغ.

ويعدّ التنكس العصبي الذي يؤدي إلى الأمراض العصبية نتاجاً ثانوياً لعملية الشيخوخة الطبيعية. وقد أدت زيادة الوعي وفهم العوامل التي تسهم في الشيخوخة إلى تزايد عدد الأشخاص في المجتمع الطبي ممن يعتقدون بأنه يمكننا التدخل في هذه العملية، ووقف أو حتى إبطال الشيخوخة تماماً.

كما يجري العمل على علاجات جديدة لمعالجة هذه المشاكل. وتشمل بعض هذه العلاجات الأكثر إثارة زرع الخلايا الجذعية، وعلاجات التعديل الجيني، والتعديل العصبي من خلال الواجهات الدماغية الآلية. وكل هذه التقنيات هي في مراحلها الوليدة، وسوف نشهد تحسينات مستمرة على مدى السنوات القادمة. وبمجرد إتقان ذلك، فمن المتصور بأن الأشخاص الذين يبدون بصحة جيدة سيكون بإمكانهم الذهاب إلى العيادة، وفحص أدمغتهم، والحصول على قراءات دقيقة للأجزاء التي لديها فيها مستويات دون المثالية داخل أدمغتهم، ثم اختيارها لزيادة هذه المستويات من خلال واحدة أو أكثر من التقنيات المختلفة المذكورة أعلاه.

ومن هي الجهات الكبيرة التي من المرجح أن تنعش هذه التغييرات الملحوظة؟

حتى الوقت الراهن، فإن الأدوات المتاحة لفهم وتشخيص معظم الأمراض غير كافية على الإطلاق، كما أن التمويل للأبحاث الطموحة غير موجود. واليوم، فإن هناك المزيد من الأموال التي يتم إنفاقها على مثل هذه الأبحاث ويعمل المزيد من الأشخاص على معالجة هذه المشاكل بشكل أكبر من أي وقت مضى.

وتأتي أكثر هذه المشاريع الواعدة من المشروع الأوروبي للدماغ البشري ومبادرة الدماغ الأمريكية، والتي تحاول أن تقدم للدماغ ما قدمه مشروع الجينوم البشري لتعزيز فهمنا للجينوم. بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك تدفقاً كبيراً في التمويل لمشاريع المؤسسات الخاصة مثل مختبرات كاليكو التي طورتها جوجل، ومعهد بول ألين لعلوم الدماغ، ومبادرة تشان زوكربيرج، ومعهد زوكرمان للعقل والدماغ والسلوك، ومعهد جلادستون، والاتحاد الأمريكي لأبحاث الشيخوخة، ومعهد باك، ومعهد سكريبس للأبحاث ومؤسسة SENS للأبحاث، على سبيل المثال لا الحصر. ناهيك عن العمل الجديد الذي يتم إجراؤه في الجامعات والشركات الربحية في جميع أنحاء العالم.

حقبة جديدة من فهم العقل

كما أن هناك تطبيقات لتعلم الآلة، تساعدنا لفهم أفضل للأمراض. وببساطة يعود السبب في عدم قدرتنا على مكافحة العديد من الأمراض التي لا تزال موجودة اليوم، إلى أنه لكل مرض منها هناك عوامل كثيرة جداً معنيّة بأي فرد أو مجموعة من الأشخاص، تتطلّب منّا الإحاطة بها بشكل كاف. ومع ذلك، فإن ظهور بعض التقنيات مثل الشبكات العصبية وتطبيقها على البيانات الكبيرة من شأنه أن يتيح لنا الوصول إلى الأدوات التي يمكنها إدراك جميع العوامل المعنيّة وإنتاج وصف أكثر دقة للمشاكل التي نواجهها.

وإن جميع هذه الجهود، بالإضافة إلى الفهم المكتشف حديثاً بأن الشيخوخة بحد ذاتها يجب أن تصنف كمرض، كل ذلك قاد العديد من الخبراء في هذا المجال للاعتقاد بأننا سنحرز المزيد من التقدم خلال السنوات العشرة المقبلة أكثر مما أحرزناه خلال السنوات المئة الماضية مجتمعة.

وفي حين ينبغي أن نستمر في التشكيك بمختلف التصريحات الجريئة التي يدلي بها المزيد من الباحثين الذين يعتقدون بأن الأمراض - والشيخوخة بشكل عام - ستصبح قريباً شيئاً من الماضي، فإن هناك سبب للاعتقاد بأن ذلك ممكن. وفي السنوات القادمة، ستسمح الأدوات والتقنيات الجديدة - بالإضافة إلى تطبيقات تعلم الآلة - للباحثين بالبحث بشكل أعمق في العقل البشري، مع العديد من الاعتقادات بأنها ليست سوى مسألة وقت حتى تكتمل لدينا الصورة.