الملقحات الأخرى في خطر

لا تخفى على أحد أهمية نحل العسل في الزراعة وعملية التلقيح، وأعلن في الأعوام الماضية عن خطط لإنقاذ الأعداد المتناقصة من نحل العسل وحمايته من أعدائه. لكننا قد نعيد النظر مرة أخرى قبل تطبيق هذه الخطط مستندين إلى دراسة حديثة أجراها مجموعة من الباحثين في جامعة كامبريدج.

واقترح فريق كامبريدج في دراسته التي نشرت في مجلة ساينس، أن نحل العسل يساهم في انخفاض أعداد أنواع الملقحات البرية الأخرى، مشير إلى تأثير الحملات الخيرية والتقارير الإعلامية على التصور العام عن الوضع، والتي تخلط سهوًا بين مشكلتي نحل العسل وأنواع الملقحات البرية الأخرى.

قال «جوناس جيلدمان» المؤلف المشارك في الدراسة في بيان صحافي، «ما زالت نسب الملقحات البرية كالنحل الطنان والفراشات مستمرة بالانخفاض إلى مستويات تنذر بالخطر. ووصل الأمر حاليًا إلى تهديد 50% من جميع أنواع النحل الأوروبي بالانقراض.»

يؤذي مبيد الآفات «نيونيكوشنويد» أنواع النحل المدجنة وأنواع الملقحات البرية المختلفة. ويعد التغير المناخي عاملًا آخر يساهم في هذا الانخفاض الكلي في أعدادها؛ فهو يدفع الملقحات إلى الخروج قبل أوانها لينتهي بها المطاف للموت جوعًا لندرة الطعام. لكن هذه الحالة تنطبق على الملقحات كافة ولا تخص نحل العسل وحده.

وقال جيلدمان، «قد يساعد جذب الانتباه إلى نحل العسل في رفع مستوى الوعي العام نحو هذه المشكلة، لكن لا بد من أن تشمل الحلول الأنواع المهددة جميعها.»

اتباع قواعد ضرورية

لا يساعد حماية نحل العسل -وفقًا لجيلدمان- على حماية الحياة البرية، بل على العكس؛ يؤثر تكاثرها المستمر بأعداد هائلة سلبًا على الملقحات أجمع، لذا عمدت المزارع إلى تقليل فعالية أنظمة المناعة لنحل العسل. علاوة على أن اعتمادها في تغذيتها على الأزهار ذاتها التي تتغذى عليها الأنواع البرية قد يساهم في نشر الأمراض على نطاق واسع بين أعدادها الكبيرة.

ويعد نحل العسل من الملقحات الجيدة من حيث مدة نشاطها والمسافة التي يمكن أن تقطعها في تنقلها. ولتوضيح هذه النقطة أكثر، أشار فريق جامعة كامبريدج إلى أن المحاصيل المزهرة كالثمار تُزهر لبضعة أيام أو أسابيع فقط، لكن نحل العسل ينشط لمدة تتراوح ما بين 9-12 شهرًا، مع إمكانية الابتعاد عن خلاياه لمسافة تصل إلى عشرة كيلومترات، ما يعني أنه سيتجه إلى تلقيح المحاصيل البرية التي تُلقّح طبيعيًا بعد انتهائه من المحاصيل التي حددها المزارعون الذين كاثروه لهذه الغاية.

وأشار «خوان بي جونزاليس فارو،» أحد الكتاب المشاركين في هذه الدراسة، إلى أهمية هذا الموضوع. وأكد في دراسة سابقة له على أن أعداد نحل العسل تضاعفت ثماني مرات في غابات جنوب إسبانيا بعدما أزهرت أشجار البرتقال بالكامل.

قال «جونزاليس فارو» في بيان صحافي، «تعد تربية نحل العسل بمثابة عملية إقصاء؛ فهي تؤثر على الرحيق واللقاح في البيئة؛ الموردان الطبيعيان اللذان تحتاجهما كائنات برية عديدة كأنواع النحل الأخرى والحشرات الملقحة البرية المتنوعة. والمعروف أن نحل العسل حيوان يكاثر اصطناعيًا في المزارع مثل الأبقار. غير أنه يطير بعيدًا خلف الأسوار فيزعزع النظام البيئي من خلال التنافس والتسبب بالأمراض.»

واقترح «فارو» تصنيف نحل العسل من ضمن فئة المواشي ذات الاستخدام المحدد، كالأبقار. وقد يؤدي اتباع هذا النهج إلى الحد من ضخامة مستعمرات نحل العسل وأماكن وجودها، وإتاحة الفرصة للملقحات البرية الأخرى للازدهار من جديد في تلقيح مناطقها دون المنافسة مع نحل العسل.

وقدرت دراسة حديثة أجراها علماء من جامعة «هوهينهايم» أن نحل العسل يسهم بنحو 235-285 مليار دولار أمريكي سنويًا في اقتصاد الصناعات الغذائية. وقد يساعد ايجاد طرائق لتحقيق الربح المادي من الملقحات الأخرى في إخراجها من هذا المأزق.

ويجب الحرص حاليًا على فهم الناس لحجم الكارثة التي تتعدى مجرد الحفاظ على نحل العسل. ويمكن تحقيق ذلك بإجراء الأبحاث الإضافية للوصول إلى حلول تتيح إمكانية الحفاظ على الكائنات الاخرى وتسليط الضوء على أهمية الملقحات الأخرى عن طريق الجمعيات الخيرية والوسائل الإعلامية المؤثرة.