باختصار
لمفهوم المادة المضادة تاريخ طويل. إذ اقترح «آرثر شوستر» وجوده لأول مرة في العام 1898، ثم طوره «باول ديراك» ووصف المادة المضادة بأنها شيء لم يره أحد من قبل في الطبيعة.

العالم والعالم المضاد

خلافًا لما يتخيل الكثيرون، فالمادّة المضادّة ليست مجرد وقود تخيلي لمركبة فضائية أثناء رحلتها في مشاهد سينمائية من «ستار ترك.» إذ يدرس العلماء في الفترة الحالية إمكانية استخدام المادة المضادة والاستفادة منها. ونجح العلماء بصنع نقيض الهيدروجين «المادة المضادة للهيدروجين» لكنه لم يبقَ زمناً طويلاً بسبب عدم استقراره.

تبدو المادة المضادة شيئًا غريبًا لكثير من الناس. إلا أنّها «بأبسط التعابير» ليست سوى مادة عُكست شحنتها الكهربائية. فتملك البوزيترونات «نقائض الإلكترونات» شحنةً موجبةً بدلًا من الشحنة السالبة، وتملك نقائض البروتونات شحنةً سالبةً بدلًا من الموجبة.

وعلى الرغم من بساطة تعريف المادة المضادة، إلا أنها تتصرف بغرابة شديدة. ويلاحَظ ذلك عند تفاعلها مع المادة الأصلية «غير المضادة» فعندما يلتقيان يمحق كل منهما الآخر لينتج عن ذلك كميةً من الطاقة وجسيماتٍ دون ذرية. ويؤدي هذا التفاعل أيضًا إلى انفجار يبعث إشعاعات تنطلق بسرعة الضوء.

يفترض العلماء أن الانفجار العظيم صنع كمياتٍ متطابقة من المادة والمادة المضادة. إلا أن صحةَ هذا الافتراض تعني أن يتهاوى الكونُ على بعضه وينهار عند التقاء المادة بالمادة المضادة في انفجار أكبر من الانفجار العظيم. لذا يقترح العلماء أنه يجب أن يوجد جسيم إضافي من المادة «غير المضادة» مقابل كل مليار زوج من المادة والمادة المضادة. ويحاول الفيزيائيون حتى اليوم معرفةَ أسبابِ عدم انهيار الكون وحلَّ مشكلةِ عدم التناظر في المادة والمادة المضادة.

بعيدًا عن المادة المظلمة والطاقة المظلمة، فإن أكثر الألغاز غموضًا في الفيزياء تدور حول المادة المضادة. وسنتعرف في هذا المقال على تاريخ هذا الموضوع الشيق.

قصة المادة المضادة وأصلها

اقترح الفيزيائي البريطاني «آرثر شوستر» عام 1898 وجود المادة المضادة لأول مرة. وكتب إلى مجلة «ناتشور» مقالَيْن يقترحان وجود «ذرات مضادة» في المجموعة الشمسية ويشرح طريقة تفاعلها مع ذرات المادة «غير المضادة»

شرح شوستر في مقاله كيف توجد المادة والمادة المضادة معًا في كيانات صغيرة الكتلة، واقترح أن التفاعل بينهما يشبه تنازع قطبي المغناطيس. وكتب في مقاله:

قد تملأ مادة الكون حيزًا مجهولًا في الفضاء حيث تنعدم الجاذبية عمليًّا إلى أن يعبر نيزك خلالها ليؤدي إلى اختلال في توازن الفضاء حوله، فتتجمع المادة على جانب النيزك بينما تتجمع المادة المضادة على الجانب الآخر، فيتشكل عالَمَان من المادة والمادة المضادة لا يلتقيان مجددًّا.

وهكذا بدأت فرضية المادة المضادة إلى أن وضع «باول ديراك» نموذجا نظريًّا يشرح مفهومها واستمر نموذجه إلى اليوم.

طور ديراك نظرية تجمع مبادئ ميكانيكا الكم لشرح النقاط المتعلقة بالعالم دون الذري، مع نظرية النسبية الخاصة لآينشتاين لشرح مشكلات عالم الأشياء الكبيرة جدًّا. وشرح فيها سلوك الإلكترونات التي تسافر بسرعة قريبة من سرعة الضوء. وتعالِج هذه النظرية مشكلات الإلكترون «ذي الشحنة السلبية» وكذلك الجسيمات موجبة الشحنة التي تسلك سلوك الإلكترون تمامًا. وتُسمَّى هذه النظرية اليوم «معادلة ديراك.»

أكوان كاملة قد تكون مصنوعة من جسيمات غامضة

لاحظ ديراك أن معادلته «الجميلة وفقًا لرأيه» تتنبأ نظريًّا بوجود المادة المضادة، لذا افترض أن مقابل كل جسيم نتخيله يوجد جسيم مضاد يشبهه تمامًا لكنه بشحنة معاكسة. وإذا تمكنتَ من جمع بعض نقائض البروتونات ونقائض النيوترونات ونقائض الإلكترونات فقد تحصل على ذرة مضادة ومادة مضادة

ويرى العلماء «وفقًا لهذا المفهوم» إمكانيةَ وجود مجرات كاملة بل وأكوان مصنوعة من المادة المضادة.

ويُعَد بحث ديراك أول ورقة علمية تتنبّأ نظريًّا بوجود أشياء لم يرها أحد من قبل في الطبيعة. وبسبب أهمية بحثه، أُطلق عليه لقب «الأب الروحي للمادة المضادة»، وحصل على جائزة نوبل في الفيزياء وعمره 31 عامًا فقط.