باختصار
قادت نظرية النسبية العامة لألبرت آينشتاين إلى اكتشاف الثقوب السوداء، وعدسة الجاذبية، والموجات الثقالية. وعلى الرغم من هذه الاكتشافات، فعلى مدى ثلاثة عقود لم ينظر العلماء للنظرية سوى كتصويب بسيط على جاذبية نيوتن.

لم تحظ بتقدير كاف

في عام 1915، أضافت ألمانيا سحابة من غاز الكلور السام لأهوال الحرب العالمية الأولى ما أحدث دمارًا طبعت آثاره في الأجيال القادمة، لكن رجلًا واحدًا تجاوز أفق تلك السحب السامة وأنهى الجزء الأخير من سلسلة أوراقه العلمية التي تناولت نظريته الشهيرة في الجاذبية، وأطلق عليها اسم «النسبية العامة.»

تمثل نظرية آينشتاين ببساطة معادلة رياضية تربط بين الجاذبية والجوانب الهندسية للزمان والمكان. إذ تقترح النظرية أن الكتلة تؤثر على نسيج الزمكان، فتنبأت نتيجة لذلك بعدد من الظواهر الفلكية.

احتفل الجميع بأفكار آينتشاين خلال الأعوام التي أعقبت نشره لنظريته، وخلال الوقت ذاته، كان الحرب توشك على الانتهاء، غير أنه سرعان ما خاب بريق أعماله. إذ اعتقد ليوبولد إنفيلد؛ مؤلف كتاب تطور الفيزياء، أن نظرية آينشتاين أعطت الناجين من الحرب مهربًا من الواقع بصورة فكرية. واقتبس رونالد كلارك استنتاجًا لليوبلود مفاده «كان الشعب مرهقًا من الكراهية والقتل، ثم أتى شيء ما أسر المخيلات. كالغموض الذي يكتنف كسوف الشمس، والقدرة الجبارة للعقل البشري.»

وهكذا ذوت شعبية النظرية سريعًا وخاصة في الأوساط العلمية. وقدم باحثون مؤخرًا ورقة مفصلة عن إهمال العلماء للنسبية العامة في الفترة بين منتصف العشرينات ومنتصف الخمسينات، ونشرت الورقة في مجلة «ذا إيروبيان فيزيكال جورنال إتش

ويرجح الباحثون أن هذا الإهمال جاء نتيجة لعرض العلماء للنظرية آنذاك كرياضيات معقدة للغاية تسفر عن نتائج مشابهة جدًا لمعادلات نيوتن الأكثر بساطة.

وبكلمات أخرى، اعتقد العلماء أن النظرية كانت صحيحة ولكنها ليست بتلك الأهمية، فاستبعدوا بذلك وجود تداعيات أكبر لها، وبذلك توقف العلماء لثلاثين عامًا عن البحث في أفكار آينشتاين، وكتب الباحثون «عرضت أفكار آينشتاين على أنها مجرد تصويب بسيط لجاذبية نيوتن.»

واستمرت الأمور على هذه الحال إلى أن حلت «نهضة النسبية العامة» كما سماها الفيزيائي «سي.إم. ويل.»

النسبية تولد من جديد

غذت الأبحاث نهضة النسبية العامة، وكانت غالبية تلك الأبحاث تنتمي إلى حقل جديد من الفيزياء النظرية، وهو الفيزياء الفلكية النسبية. واجتاح هذا الحقل الفرعي ساحة الفيزياء، وبحلول السبعينات، تمكن العلماء من إجراء تجارب مثمرة على نظرية النسبية العامة.

وفجأة، صار بإمكان العلماء حل مسائل استعصت عليهم سابقًا، وتوالت الإنجازات العلمية في الفيزياء الفلكية ما أدى إلى تغيير جوهري في فهمنا عن الكون.

ولا ريب أن هذا التحول الجذري في نظرية آينشتاين من مجرد معادلة شيقة إلى «إحدى أعمدة الفيزياء الحديثة» أتى بمساعدة من التقنيات الحديثة، وزيادة في تمويل الأبحاث، فضلًا عن الشراكة القوية بين حقول الفيزياء والرياضيات. ويقترح الباحثون أن النهضة تسببت في تعزيز فهم العلماء للنظرية وتداعياتها على أرض الواقع.

كان الشاغل الرئيسي خلال أعوام النهضة هو إيجاد وسيلة لاستخراج المحتوى الفيزيائي من النظرية أولًا، وخاصة بوجود الكثير من الأوراق بكلمات افتتاحية تتحدث عن صعوبة تفسير النسبية العامة. ولم تصبح النظرية قابلة للتطبيق إلا بعد أن تمت تسوية القضايا الرئيسة المتعلقة بها، فأصبحت عندها قابلة للتطبيق في أي مسألة فيزيائية، وقدمت تفاسيرًا وفقًا لشروطها الخاصة.

ومهما كان سبب تلك النهضة، فبقدومها تمكّنا من اكتشاف الثقوب السوداء، وتطبيقات عدسة الجاذبية، بالإضافة إلى رصد الموجات الثقالية مؤخرًا، إذ تنبأت نظرية آينشتاين بجميع هذه الاكتشافات.

توفي آينشتاين عام 1955. وعلى الرغم من تحقيقه نجاحًا مؤكدًا خلال حياته، إلا أن هذا النجاح لم يكتمل إلا بعد وفاته، فمثلت العقود الأخيرة نهضة للنسبية العامة، وغيرت من فهمنا للكون. ويعتقد العلماء أن مستقبل النسبية العامة سيكون مبهرًا ومليئًا بالاكتشافات كما في الماضي.

وستمتد أفكار آينشتاين لأبعد من هذه الاكتشافات العلمية، وقال ليوبولد «تتطلع العيون البشرية من أرض تعج بالقبور والدماء إلى سماوات تعج بالنجوم.»

شكرًا جزيلًا، آينتشاين.