أظهرت دراسة جديدة أنه يمكن تحويل الجزر الجينومية المُطورة من الفيروسات إلى رُسل قادرة على تعطيل بكتيريا المكورات الذهبية التي تقاوم غالبًا المضادات الحيوية وتشكل تهديدًا على أمن الصحة العامة، وخلصت هذه الدراسة الجديدة التي أجراها باحثون من كلية الطب في جامعة نيويورك الأمريكية ونُشرت مؤخرًا في دورية نيتشر بيوتيكنولوجي، إلى أسلوب لهندسة نوع معين من الحمض النووي للبكتريا بهدف استبدال مورثات مسببة للمرض بأخرى تفتك بالبكتيريا أو تعطلها.

تطور الحمض النووي المستخدم في الدراسة من فيروسات استقرت في البكتيريا بعد أن أصابتها لتُصبح جزءًا من نظامها الوراثي. ما خلف كيانًا مُهجنًا يتضمن مورثات تتناقلها البكتيريا عند انقسامها، لكنها قد تُزال أحيانًا من البنية البكتيرية الفائقة لتُحمّل كفيروس في محفظة بروتينية يمكنها حقن حمضها النووي في خلايا بكتيرية أخرى.

شكّل دمج القفزات التطورية جُزرًا جينوميةً لتكون مُركّبات مِرسالية قادرة على إيصال أحمال وراثية عبر المجموعات البكتيرية، وفقًا للكاتبين. وأدى حقن جُزُر المكورات الذهبية التي هندسها الباحثون في فئران مصابة بخمج مكورات قاتل إلى قتل البكتيريا وإنقاذ الحيوانات.

قال كاتب الدراسة الرئيس الدكتور ريتشارد بي نوفيك بروفيسور عائلة ريكاناتي للعلوم لدى معهد سكيربول للطب الجزيئي الحيوي التابع لجامعة نيويورك وعضو في الأكاديمية الوطنية للعلوم «نظرًا لفعالية الأدوية الملحوظة حتى الآن وسجل الأمان لمحاولات علاج المكورات قررنا اختبار رُسلنا ضد خمج المكورات الذي يتدخل بإنتاج حليب المواشي. وإذا نجحنا، فسنتخبره في الجسم البشري.» وقال نوفيك الحاصل على درجة الدكتوراه من جامعة نيويورك ويعمل على دراسة المكورات «لا شك أن قضاء وقت طويل في مهنتك لدراسة خمج معين لتصل إلى طريقة جديدة محتملة لعلاجه يُعد تجربةً مميزةً. »

تعيش المكورات الذهبية على جسم نحو ثلث البشرية دون أن تسبب أمراضًا، لكن ضعف جهاز المناعة قد يؤدي إلى الإصابة بإنتانات في الدم والرئتين والأعضاء قد تهدد الحياة. تُمثل المكورات الذهبية خطرًا مُحدقًا بالمستشفيات حيث توجد أسطح كثيرة يمكن للبكتيريا استعمارها. وانتشر تهديدها أيضًا إلى منشآت المجتمع المختلفة مثل النوادي الصحية والملاعب والمدارس والثكنات العسكرية ومكاتب الأطباء.

تفقد المضادات الحيوية فعاليتها ضد المكورات رويدًا رويدًا، بسبب تزايد عدد السلالات المقاومة لهذه الأدوية، ولهذا تداعى الباحثون لإيجاد طرائق تحارب الأخماج وخاصةً بعد تفاقم مشكلة كثرة استخدام المضادات الحيوية منذ عقود والتي تمكنت المكورات من تطوير مقاومةً ضدها.

بعد أن اكتشف بحث في ثمانينيات القرن الماضي مورثةً تُدعى تي إس إس تي 1 تسبب متلازمة الصدمة السمية نتيجة الإصابة بالمكورات، خلص نوفاك وفريقه إلى أن المورثة حُملت على الجزر الجينومية. فعمل الفريق على تصميم الرسول إنطلاقًا من فهمه أن بكتيريا المكورات تعتمد على تلك الجزر لتشارك المورثات المفيدة. ما يعني أن الجماعات البكتيرية بأكملها تنتفع حين تصادف إحدى الخلايا تغيرًا يساعدها على البقاء لا التكاثر فحسب.

قال البروفيسور هوب روس وهو العضو في المختبر الذي اقترح التركيز على فكرة البحث الحالية في العام 2013 «يمكن استخدام الدور الطبيعي للجزر في نقل المورثات ليكون مقاربةً علاجيةً جديدةً إذا عُدلت الجزر لتحتوي على المورثات التي تعيق البكتيريا بدلًا من تلك التي تحرضها على التسبب الأخماج.»

أضاف الفريق في الاختبار الأول تتابع كريسبر/كاس9 وهو نظام وراثي يستهدف سلسلة الحمض النووي ويقطعها في مكان معين، ما يُعد فتاكًا للبكتيريا. ودرس الفريق مرسالًا آخرًا يحتوي على مورثة لإنتاج إنزيم ليزوستافين الذي يُدمر البكتيريا مباشرةً بتحطيم جدرانها الخلوية. ودرس أيضًا مقاربة كريسبر باحتمالية تعطيل مورثات ممرضة عديدة دون قتل البكتيريا، ما يعد بمنع تشكل مقاومة ضد الرُسل.

قادت دراسة نوفيك الباحثين إلى استنتاج آخر مهم، إذ قال «لا يتسبب نظام المرسال كالمضادات الحيوية في تخريب التجمع الحيوي الدقيق (مزيج البكتيريا في الأمعاء) لدى المرضى، إذ تُعد بعض هذه البكتيريا أساسيةً للهضم والصحة العامة.»