مهما بلغ عدد المرات التي قرأت فيها أن الذكاء الاصطناعي سيسيطر على العالم ويستعبد البشر، ما زالت تلك الاحتمالية مستبعدة، وخاصة عندما يستمر باتخاذ قرارات غبية تلو الأخرى؛ كأن يقف أمام الباب في لعبة حاسوبية مبنية على اختيار الأوامر ويختار «حرق المنزل» أو «ري الغابة» بدلًا من «طرق الباب.»

وربما يبعث هذا الأمر على الاطمئنان، غير أنه يمثل مشكلة عندما نستخدم الذكاء الاصطناعي في التطبيقات بالغة التعقيد، كالأطراف الاصطناعية الروبوتية. ونشرت صحيفة وول ستريت جورنال، مقالة لجستين سانشيز من وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية «داربا» أشارت إلى أن الحواسيب والأدمغة تعالجان المعلومات بصورة مختلفة جدًا، ولذلك لا تستطيع برمجية الذراع الاصطناعية أن تتابع كافة الوسائل التي يحاول بها الدماغ أن يتحكم بالذراع، فتمضي الأطراف الاصطناعية وقتًا طويلًا بلا حراك.

والسؤال المطروح إذًا، ماذا يحدث إن توائمت تلك البرمجيات بصورة أفضل مع الكيفية التي تعمل بها الأدمغة؟

من وجهة نظر وكالة داربا فإن الإجابة تكمن في تدريب الذكاء الاصطناعي على قراءة إشارات الدماغ والتكيف معها، كي يتعلم ما يفكر به الدماغ والكيفية التي يفكر بها؛ أي تدريب الذكاء الاصطناعي على التصرف كالدماغ البشري.

تبدو هذه الفكرة جيدة، لكنها تغض الطرف عن عقبة كبيرة تعثر بها باحثون كثر في سباقهم نحو آلة ذكية تمامًا، وهي معرفة كيفية عمل الدماغ في المقام الأول، إذ يترتب على تلك المعرفة تحقيق اتصال مباشر بين الدماغ والآلة، والذي من شأنه إن حدث، أن يمنح مبتور اليد تحكمًا تامًا بأطرافه الاصطناعية، وتسعى وكالة داربا إلى ابتكار ذكاء اصطناعي يحاكي الدماغ البشري كي يحقق ذلك التحكم التام، غير أنها فكرة يستحيل تنفيذها اليوم على أرض الواقع. والحقيقة أن بعض العلماء تمادوا في تشبيههم للذكاء الاصطناعي بالدماغ البشري، فذهبوا إلى دراسة قدرة الذكاء الاصطناعي على الهلوسة أو الاكتئاب.

لكن قبل أن نقفز إلى استنتاجات متسرّعة، علينا أن ندرك أن معرفتنا بالدماغ البشري ما زالت ضئيلة، فضلًا على أن عددًا من كبار الباحثين في الذكاء الاصطناعي يرون أن محاولات محاكاة الدماغ البشري وفك تشفيره ليست إلا مضيعة للوقت.

يشغل ماكس تجمارك منصب مدير معهد مستقبل الحياة ويعمل فيزيائيًا في معهد ماساتشوستس للتقنية، وأدلى ببعض الكلمات المهمة خلال حلقة نقاشية عن الذكاء الاصطناعي عقدت في سبتمبر/أيلول الماضي، فوصف محاولات إعادة ابتكار الدماغ البشري رقميًا على أنها «شوفينية كربونية.» وقال أيضًا «نحن مهووسون كثيرًا بكيفية عمل أدمغتنا، ويظهر هذا في رأيي افتقارًا للمخيلة الخصبة.»

وصرح بارت سلمان وهو باحث ذكاء اصطناعي في جامعة كورنيل لموقع بيزنس إنسايدر «يتجسد التقدم الرئيس حاليًا وفي المستقبل القريب في الوصول إلى أداء يضاهي المستوى البشري دون الخوض في تفاصيل الدماغ البشري وإدراك خباياه.»

لمحاكاة العالم الطبيعي عبر التقنية فوائد جمة، فمن خلالها يجد مبتورو الأطراف أملًا جديدًا بالأطراف الاصطناعية، وإن استطاع العلماء أن يحاكوا الدماغ البشرية سيتحكم أولئك بأطرافهم الاصطناعية تمامًا كالأطراف الطبيعية بالاعتماد على برمجية كتبت بالاستعانة بلغة الدماغ البشري، وهذا ما لا يقدر بثمن.

لكن التقنية تستلهم من الطبيعة بابتكار شيء جديد ضمن الأطر التقنية ذاته؛ وفي حالتنا، يكمن الابتكار في مجال الذكاء ومعالجة المعلومات. ولم تصنع أول طائرة ناجحة بتقليد الطريقة التي تطير بها الخفافيش، ولم تأخذ السيارات الأولى إلهامها من الأحصنة والعربات، وحاول الناس أن يبتكروا سيارات تجري كالأحصنة وفشلوا. ولا يختلف الذكاء الاصطناعي كثيرًا، فكلما ابتعدنا عن فكرة تقليد حاسوب خارق لا نفهمه –أي الدماغ- نجحنا في إحداث التقدمات في عالم الذكاء الاصطناعي.