باختصار
اصطدمت حديثًا بوزيترونات، وهي نوع من المادة المضادة، بالغلاف الجوي للأرض. واختلف العلماء في تفسير حدوث ذلك، لكن عمليات رصد حديثة جعلت الأمر أوضح.

وفرة المادة المضادة

في العام 2008، كشفت أداة «باميلا» الفضائية عن شيء غير عادي في الغلاف الجوي للأرض؛ وفرة هائلة ومدهشة للبوزيترونات، وهي شكل من أشكال المادة المضادة، وتسمى غالبًا إلكترونات مضادة. وتفنى هذه البوزيترونات عندما تواجه إلكترونات (عندما تتصادم المادة بمادة مضادة مساوية ومعاكسة، تفنيان بعضهما البعض)، لكن السؤال هو: من أين جاءت كل هذه البوزيترونات؟

واعتقد العلماء سابقًا أن المادة المضادة تنشأ في نجوم نابضة قريبة نسبيًا، وهي بقايا سريعة الدوران لنجوم ضخمة سابقة. لكن الأدلة الجديدة تبين أن البوزيترونات قد تنشأ نتيجة تلاشي المادة المظلمة. والمادة المظلمة -وفق العلماء- مادة غامضة تشكل نسبة كبيرة من الكون، لكنها غير مرئية.

وقال روبن لوبيز كوتو من معهد ماكس بلانك للفيزياء النووية، ومؤلف ورقة علمية حديثة عن مصدر البوزيترونات، لمجلة ناشونال جيوغرافيك «عندما بدأت هذا العمل، كنت أعتقد أن المنشأ نجوم نابضة. لكن هذين النجمين النابضين لا يستطيعان توليد بوزيترونات كافية لتبرير هذه البوزيترونات الفائضة.»

لكن لا يتفق كل الفيزيائيين على استبعاد احتمال كون النجوم النابضة هي المسؤولة عن الأمر، خاصة أن وجود المادة المظلمة أمر غامض تكثر النقاشات وخلافات الرأي بشأنه. ويظهر التأييد المتواصل لفكرة النجوم النابضة في قول دان هوبر من مختبر مسرع فيرمي الوطني لناشونال جيوغرافيك «إنني مقتنع بأن هذه النجوم النابضة لها دور كبير في فائض البوزيترونات هذا، وقد تكون المنشأ الرئيس له.»

تفاعلات غامضة

أجرى العلماء عمليات رصد جديدة في مرصد هاي آلتيتود ووتر شيرينكوف (هوك) لأشعة جاما، الذي يحتوي على خزانات ماء ضخمة. وعندما تضرب جسيمات عالية الطاقة هذه الخزانات (عددها 300 خزان) تظهر على ضوئها الخفيف علامات تساعد العلماء على تتبع منشئها. وبدأ مرصد هوك جمع البيانات لاستكشاف الأصل الكوني لهذه الجسيمات منذ العام 2015. وبحسب لوبيز كوتو، تظهر البيانات الجديدة أن النجمين النابضين المجاورين غير قادرين على إطلاق بوزيترونات سريعة بما يكفي لتصل إلى الأرض.

مرصد هوك. حقوق الصورة: جوردانا جودمان/ويكيمديا كومنز
مرصد هوك. حقوق الصورة: جوردانا جودمان/ويكيمديا كومنز

وذكر فريق الدراسة أن منشأ البوزيترونات قد يكون «نجومًا نابضة أخرى، أو أنواعًا أخرى من المسرعات الكونية كالنجوم الزائفة الصغيرة وبقايا المستعرات العظمى، أو تلاشي جسيمات المادة المظلمة.»

وعلى الرغم من ذلك، ما زال هوبر وآخرون متأكدين أن لمنشأ البوزيترونات صلة بالنجوم النابضة. ولا يوجد حتى اليوم تفسير دقيق لجسيمات المادة المضادة هذه، لكن الرصد المستمر سيتيح للعلماء الاقتراب من الحقيقة.

وترى تريسي سلاتير، عالمة الفيزياء النظرية في معهد ماساتشوستس للتقنية، أن تلاشي المادة المظلمة ليس الاحتمال الأكبر، وقالت لناشونال جيوغرافيك «أراهن شخصيًا على أن ما يحدث قد لا يكون تلاشيًا للمادة المظلمة. لكن إذا جاء شخص من المستقبل بآلة زمن، وأخبرني أن ذلك هو التفسير الحقيقي، سأشعر بالدهشة، لكن لن أقول إنه أمر مستحيل.»