يستخدم 13% من مواطني الولايات المتحدة أدوية مضادَّة للاكتئاب لعلاج الاكتئاب والقلق والآلام المزمنة واضطرابات النوم. ويعاني ثلث المصابين بالاكتئاب من عدم تحسُّن المزاج على الرغم من تناول الأدوية المضادَّة للاكتئاب.

ويدرس الباحثون في كلّية الطب في جامعة واشنطن مقاربةً جديدةً لتلطيف أعراض الاكتئاب. تستهدف الأدوية المضادة للاكتئاب مستقبلات السيروتونين لزيادة مستوياته في الدماغ، إذ يظنُّ العلماء أن السيروتونين يلعب دورًا في تغيُّرات المزاج والسلوك الاجتماعي. لكنَّ فريق جامعة واشنطن استطاع استهداف مستقبلات مختلفة تُسمَّى مستقبلات جابا-دلتا باستخدام تقنية التعديل الجيني بأداة كريسبر. ويظنُّ الفريق أنَّ النواقل العصبية المحسّنة للمزاج تستطيع استهداف هذه المستقبلات. ونُشِرت الدراسة في مجلَّة نيوروساينس

وقال ستيفن مينيرك أستاذ الطب النفسي والباحث الرئيس في الدراسة «نحن بحاجة إلى تطوير علاجات فعَّالة ضدّ الاكتئاب. يتجاوز عمر معظم مضادَّات الاكتئاب المعتمدة من إدارة الغذاء والدواء 30 عامًا، ويلزمنا أدوية جديدة ومقاربة مختلفة عن الطرائق الحالية.»

تستهدف المقاربة الجديدة مستقبلات جابا بنواقل عصبية تسمّى الستيروئيدات العصبية، وهي مواد كيميائية تنشأ بسبل حيوية طبيعية في الدماغ وتلعب دورًا في الشبكات العصبية المسؤولة عن المشاعر. وأجريت الدراسة في معهد تايلور فاميلي لأبحاث الطب النفسي المبتكرة الذي أنشئ في عام 2013 لتطوير أدوية جديدة للاكتئاب والأمراض النفسية الأخرى.

وقال مينيرك مدير معهد تايلور فاملي «نظنُّ أنّ الستيروئيدات العصبية تتفاعل بطريقة انتقائية مع مستقبلات جابا-دلتا. ولدينا أدلّة على أنّ هذه المركّبات قد تساعد المرضى المصابين بالاكتئاب.»

توجد أنواع عديدة من مستقبلات جابا تسمَّى بأحرف مختلفة في الدماغ، وقد يساعد استهداف النوع دلتا في تلطيف أعراض الاكتئاب لأنَّ مركّب جابا الذي يُعدُّ ناقلًا عصبيًّا مثبِّطًا يبطّئ العمليات الإدراكية التي تؤدي إلى الإحباط والأفكار السلبية والمشاعر السيئة. تلعب بعض مستقبلات جابا دورًا في حدوث القلق، وعلى الرغم من محاولة علماء آخرين دراسة هذه المستقبلات لعلاج الاكتئاب، كانت الحاجة إلى تطوير مركَّب يرتبط بنوع خاص من مستقبلات جابا عائقًا أمام استكمال أبحاثهم.

لكنَّ مينيرك وفريقه ركَّزوا على مستقبلات جابا الموجودة على الخلايا العصبية في منطقة الحصين في الدماغ، وهي منطقة عصبية مسؤولة عن التعلُّم والذاكرة. واستطاع الفريق إحداث طفرات في مستقبلات جابا-دلتا باستخدام أداة كريسبر لدراسة دورها واختبار وظائفها.

وأشارت تجارب سريرية سابقة من المعهد ذاته إلى أنَّ استهداف هذه المستقبلات يخفّف أعراض الاكتئاب لدى النساء اللاتي يعانين من اكتئاب بعد الولادة.

ونشرت مجلَّة لانسيت في الصيف الماضي نتائج التجارب السريرية التي أجراها المعهد على الستيروئيد العصبي (بريكسانولون) ودوره في علاج اكتئاب بعد الولادة. وأظهرت نتائج التجربة تحسُّن أعراض الاكتئاب بعد تناول الدواء.

وأجريت تجارب الدواء السريرية في مؤسسة مختلفة لتجنُّب تعارض المصالح، إذ يعمل عدَّة باحثين من معهد تايلور فاملي لدى شركة سايج المصنّعة للدواء. ويبحث مينيرك في دراسته الحالية على الفئران والخلايا المخبرية في طريقة عمل المركَّب وتأثيره على مستقبلات جابا-دلتا.

وقال مينيرك «يؤثّر الدواء على مستقبلات جابا، لكنَّه يتمتَّع أيضًا بصفات مضادَّة للالتهاب. ونظنُّ أنَّ هذا الخليط من الصفات والوظائف يسهم في تعزيز الأثر المضادّ للالتهاب.»

وقال المؤلّف الأول في الدراسة مين-يو سان أنَّ الفريق يخطّط لدراسة أثر الستيروئيد العصبي على أنواع مختلفة من مستقبلات جابا. وأضاف أيضًا أنَّه «يصعب التفريق بين الأنواع المختلفة لمستقبلات جابا نتيجةً لاشتراكها في صفات متعدّدة. ولم يكن لدى العلماء سابقًا قدرةٌ على عزل هذه الأنواع عن بعضها، لكنَّنا نستطيع فعل ذلك باستخدام أداة كريسبر-كاس9 الجينية. ويسهم ذلك في فهم كيفية تأثير أدوية عديدة على الأنواع المختلفة للمستقبلات.»

وقال مينيرك أنَّه إذا نجحت الدراسات اللاحقة في تأكيد دور مستقبلات جابا-دلتا في علاج الاكتئاب، فستكون الخطوة المقبلة تطوير مركَّبات أخرى واختبارها على هذه المستقبلات للحصول على دواء أكثر نوعيَّةً وأقلَّ إحداثًا للآثار الجانبية. وقال «لدينا دليل توصيفي للستيروئيدات العصبية التي طوَّرها الباحثون في معهدنا على مدى 20 عامًا، وقد يثبت أحدها كفاءته في علاج الاكتئاب. وقد يشير نجاح دواء بريكسانولون في علاج اكتئاب بعد الولادة إلى قدرته على علاج أنواع أخرى من الاكتئاب. وسيكون هدفنا في المستقبل تطوير أدوية أكثر نوعيَّةً للتأثير على مستقبلات جابا-دلتا.»