الاستقرار المناخي

لا يخفى على أحد حقيقة أن التغير المناخي بدأ يؤثر بصورة جلية على صحة الإنسان، وتظهر لنا مزيدًا من الأبحاث التأثيرات السلبية لارتفاع درجات الحرارة على صحة الإنسان وسلوكه؛ ابتداءً من التعرض للسكتات القلبية وانخفاض الإنتاجية، وصولًا إلى زيادة مخاطر السلوك العنيف. ويبدو لنا يومًا بعد يوم أن تأثيرات التغير المناخي ستطال كثيرًا من الجوانب بالإضافة إلى التأثيرات المباشرة على كوكبنا.

وقدمت دراسة حديثة عرضًا لتلك التأثيرات على المدى البعيد بالتعمق في الكيفية التي يؤثر بها ارتفاع درجات الحرارة على أطفالنا. لكن الدراسة لم تتناول الناحية الجسدية هذه المرة، بل تحرى الباحثون مدى تأثير التغير المناخي على الجوانب الاقتصادية لأجيال المستقبل. أجرى هذه الدراسة التي نشرت في مجلة «فعاليات الأكاديمية الوطنية للعلوم،» باحثون من جامعة ستانفورد وجامعة كاليفورنيا وجامعة بيركلي ووزارة المالية الأمريكية، وتوصلوا في النتيجة إلى وجود رابط بين التعرض إلى الموجات الحارة أثناء الطفولة وانخفاض الدخل في المراحل العمرية اللاحقة.

وتوصلت الدراسة إلى أن كل يوم يتعرض فيه الطفل -منذ الحمل وحتى عامه الأول- إلى درجات حرارة تتجاوز 32 درجة مئوية، مرتبط بانخفاض دخله بنسبة 0.1% عند بلوغه الثلاثين من عمره. ما يعني وجود علاقة طردية بين عدد الأيام مرتفعة الحرارة التي مرت على الطفل وفرص تحقيقه لدخل مرتفع لاحقًا عندما يكبر.

قد تبدو هذه النتائج -لما تتركه من دهشة لدى المتلقي- غير دقيقة أو نتيجة صدف بحتة، وعلق «باتريك إل. كيني» أستاذ الصحة الحضرية في قسم الصحة البيئية في كلية الصحة العامة في جامعة بوسطن على هذا قائلًا «هذا غريب.» إلا أنه أوضح لاحقًا بأن «هذه الدراسة مثيرة للاهتمام، وتكمن أهميتها في كشفها عن العواقب السلبية للتغير المناخي على المدى البعيد. إذ لطالما علمنا أن الصحة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالحالة الاقتصادية، وأكثر الدراسات أظهرت التأثيرات قصيرة الأمد على الصحة. والجديد الآن في هذه الدراسة هو الكشف عن الآثار بعيدة الأمد، لهذا فهي تعد دراسة مثيرًة للاهتمام وإنجازًا مهمًا.»

وقد يصبح هذا الترابط ظاهرة أكثر وضوحًا مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة العالمية، وأشارت الدراسة إلى أن الأجنة والأطفال الرضّع حساسون بصورة خاصة لدرجات الحرارة المرتفعة لأن تنظيم الحرارة لديهم وأجهزتهم العصبية الودية ما زالت في طور النمو. وعلى الرغم من أن الدراسة لم توضح مباشرة كيف تؤدي هذه الحساسية إلى عدم الاستقرار المادي في الحياة المستقبلية، تتوفر دراسات وبحوث واسعة توضح كيف تؤثر الظروف التي نعيشها في بداية حياتنا وطفولتنا على صحتنا لاحقًا.

وربطت هذه الأبحاث التعرض لدرجات الحرارة القصوى مع انخفاض معدل الولادات وارتفاع معدل الوفيات الرضّع. وعلى الرغم من أن الدراسة التي أجريت مؤخرًا لم تستنتج طبيعة العلاقة بين الأمرين، فإن هذا سينكشف بلا ريب من خلال البحوث الحالية والمستمرة.

مواجهة التداعيات

قال «سولومون شيانج» أستاذ السياسات العامة في جامعة بيركلي، والذي سبق له أن نشر بحثه على موقع «نيتشر» في العام 2015 موضحًا الكيفية التي تؤثر بها درجات الحرارة المرتفعة على تفاوت المستويات الاقتصادية العالمية، «نحن نعلم أن التعرض لدرجات الحرارة المرتفعة له عواقب وخيمة ومدمرة على الإنتاجية الاقتصادية الحالية.»

ولن تتفاقم هذه العواقب وتزداد سوءًا مع استفحال مشكلة التغير المناخي فحسب؛ بل ستؤثر أيضًا سلبيًا على العوائل الفقيرة وسكان الدول النامية. وأوضحت «مايا روزين سلاتر» المؤلف المشارك في هذه الدراسة والأستاذ المساعد في قسم أبحاث الصحة وسياستها في جامعة ستانفورد، «يمكننا تصور الوضع المأساوي في الدول الفقيرة التي لا يمتلك سكانها مكيفات للهواء خلال تعرضهم للموجات الحارة.»

قد يساعد عرض آثار الاحترار العالمي وتقديمها كمشكلة اقتصادية على حث المشرعين وصناع القرار ممن امتنعوا عن التصويت لصالح مبادرات مكافحة التغير المناخي، على إعادة النظر في قراراتهم على الفور. وعلى الرغم من أن ازدهار قطاع الطاقة المتجددة يسهم في نمو الاقتصاد العالمي، فإننا قد نواجه خطرًا حقيقيًا يؤثر على أمننا الاقتصادي. وعلينا أن ندرك أن هذا الخطر لا يهدد مصالحنا وأبواب رزقنا المحتملة فحسب، بل يمثّل أيضًا وزرًا نحمّله لأطفالنا في المستقبل.