نَشرت مجلة «فورتشن» مؤخرًا مقالة عن تقدُّم الصين في سباق الذكاء الاصطناعي، تبدأ بقصة رجل سرَق من البطاطا ما تبلغ قيمته 17 ألف دولار، ثم حضَر حفلة في مايو/أيار الماضي في مدينة جياشينج، وكان في الحفلة أكثر من 17 ألف إنسان، وعلى رغم كثرة العدد تمكنت الخوارزميات من كشفه بمطابقة صورته الموجودة في لقطات الكاميرات الأمنية بصورته الموجودة في قاعدة بيانات أهم المجرمين المطلوبين للعدالة، وانتهى هذا باعتقاله.

ويَخلص مقال «فورتشن» إلى أن سبب تقدُّم الصين في سباق الذكاء الاصطناعي هو «المزايا البِنيوية، كالبيانات والقوة الحاسوبية والمهندسين الأكْفاء؛» لكن لنكن واقعيين، للصين مزية أخرى قد تكون مجلة «فورتشن» غير راغبة في الخوض فيها، اجتنابًا للتعقيد.

لنكن واقعيين كما قلنا: المراقبة في الصين لا يكاد يكون لقوَّتها وشموليتها مثيل (ولا سيما إذا قُورنتْ ببقية الدول الصناعية التي تُشارك -ظاهريًّا- في سباق الذكاء الاصطناعي)، وهذا يجعل الشركات المعنيَّة بالذكاء الاصطناعي هناك في بيئة وحقل تجارب مثاليَّيْن لتطوير تقنياتهم، خلافًا لأي دولة أخرى في العالم؛ وناهيك بأن أكبر الجهات الرأسمالية الصينية (كيانات القطاع الخاص العملاقة) تُحفَز -حفزًا اضطراريًّا من الحكومة الصينية- إلى عمل ما يناسب مصالح الحكومة الصينية، هذا إن كانتْ تَطمح إلى أي فرصة لارتقاء الهرم الاقتصادي.

أي إنَّ كَوْن الصين حقل تجارب مثاليًّا لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقها (فهي دولة تنظر بعين الجد إلى فكرة مراقبة مواطنيها وتحديد هوياتهم آليًّا بالذكاء الاصطناعي) هو ما يجعل الصين متقدمة في سباق الذكاء الاصطناعي، لا شك في هذا؛ والأرجح أنَّ مَن يشاركون في هذا لن يخوضوا في النقاش فيه، فماذا يدعوهم إلى هذه المخاطرة؟!

بعبارة أخرى: لا عجب من تقدم الصين في سباق الذكاء الاصطناعي، فالبيانات من أهم موارد تطويره، وللصين يد تَمتد إلى البيانات فلا يعوقها شيء؛ لكنْ يجب الانتباه لِما لهذا من تكلفة أخلاقية، فهل الدول المنافِسة مستعدة لتحمُّل هذه التكلفة؟ وهل سيَقبل مواطنوها ذلك إن كان الخيار لهم؟ (لا على الأرجح.)