باختصار
بعد اكتشاف بوزون هيجز، بدا أن علماء سيرن يشعرون بجفاف ما بعد الاكتشاف، بحسب مقال جديد في صحيفة نيويورك تايمز، لكن علماء المنظمة الأوروبية للبحوث النووية (سيرن) يقولون شيئًا آخر.

اكتشاف هائل

في الرابع من يوليو/تموز 2012، أصدر باحثون من المنظمة الأوروبية للبحوث النووية (سيرن) إعلانًا كبيرًا حين رصدوا بوزون هيجز، وهو أحد الجسيمات الأولية التي تنبأ بها أحد أفضل نماذج الفيزياء في الكون. وقال جيمس بيتشام، فيزيائي الجسيمات في سيرن عن الاكتشاف في مقابلة في «برين بار بودابست،» وهو مهرجان لعلوم المستقبل في المجر عقد في يونيو/حزيران «اكتشفنا الجسيم الذي يتيح للذرات أن تتشكل أصلًا، وهو شيء مدهش جدًا.»

وترقب علماء كثيرون هذا الرصد لعقود، لكن ذلك لم يقلل من روعة الاكتشاف. وقال بيتشام إن هذا الاكتشاف كان تتويجًا لجهود علمية استمرت 40 عامًا، واستحقت جائزة نوبل في الفيزياء في العام 2013.

وما زالت معظم الاكتشافات الفيزيائية بعيدة عن أعين العامة، ومقصورة على اهتمام فئة معينة فحسب. لكن الاكتشاف الذي تنبأ به كثيرون، والذي رُصِد أخيرًا بعد جهد وترقب كبيرين، كان مختلفًا، وأثار موجة في وسائل الإعلام، واستمرت ضجته لأيام وأسابيع.

ما بعد الاكتشاف

استمر الاحتفال بهذا النجاح، لكن كل حفلة يجب أن تنتهي. فبعد اكتشاف بوزون هيجز، بدا أن علماء سيرن يمرون بجفاف ما بعد الاكتشاف، وفق مقال جديد في صحيفة نيويورك تايمز.

لكن بيتشام يرسم صورة مختلفة. فبحسب قوله، فإن سيرن ليست كسلى، بل هي في مرحلة شهر العسل. ولم يجب اكتشاف بوزون هيجز سوى عن سؤال واحد فحسب؛ إن كان موجودًا أم لا. وقال بيتشام «عندما وجدنا بوزون هيجز، لم نكتفِ بذلك. فنحن نريد أن نعرف كل خصائصه، وحتى قبل أن نعلن عن الاكتشاف، كنا متقدمين في البحوث.» وتوقع كثيرون هذا الاكتشاف لفترة طويلة، وعلى الرغم من أهمية الرصد ذاته، كان باحثو سيرن يعملون للبحث فيما قد يكشفه هذا الرصد.

وأوجد اكتشاف بوزون هيجز أسئلة أكثر مما أجاب -الفيزياء غريبة فعلًا. وقال بيتشام «لذلك بالنسبة لنا، فنحن لم نتوقف عن الاحتفال.» ويعود ذلك جزئيًا إلى أن هيجز جسيم غريب يختلف عن أي شيء آخر نعرفه في النموذج القياسي.» وجاء تنبؤ بوزون هيجز بشروط دقيقة كثيرة يتيح وجودها للعلماء اختبار شروط أخرى يتوقعها النموذج.

وهكذا يقضي بيتشام وعلماء كثيرون في سيرن أوقاتهم هذه الأيام؛ البحث في الأسئلة التي لم يجب عنها أحد، وكان هذا الاكتشاف بمثابة نقطة انطلاق مذهلة. وقال بيتشام «حاضر ومستقبل أطلس [إحدى التجارب الرئيسية الخمس في سيرن] هو التأكد من أننا لن نفوت أي شيء.» وهو يعترف بأن هذا الكلام غامض قليلًا، لكن ذلك سر جمال هذا النوع من الاستكشاف. وما زالت توجد جسيمات توقعها الفيزيائيون، ولكن لم يرصدها أحد بعد. وكلما اكتشفنا شيئًا جديدًا، يصبح الكون أكثر تعقيدًا بالنسبة لنا. وقال بيتشام «تعد سيرن من أكثر الأدوات تطورًا مما صممه البشر، وعلينا أن نفعل المستحيل لنحرص على أن لا نفوت أي شي.»

وكان الاكتشاف كافيًا للبعض، وهو رصد متوقع نسبيًا يخبر الباحثين إن كانوا على حق أم إذا أساؤوا تفسير النموذج القياسي الموثوق. لكن الفيزيائيين يرون الموضوع من زاوية أخرى.

فالفيزياء، ككثير من المجالات التي تسعى نحو المعرفة والحقيقة، مسار متعرج تتخللها قفزات وفترات بطيئة. ولم يستطع بيتشام التنبؤ بنوع الاكتشاف الكبير القادم، لكن الفضول وعدم اليقين هي ما تجعل الاكتشاف والسعي اللانهائي للرد على سؤال «ماذا يحدث إن؟» ساحرين جدًا.