بناء العالم

تساعدنا خبراتنا الحسية من الرؤية واللمس والتذوق والشم على بناء العالم من حولنا. لكن كيف يُترجَم هذا الفيض المستمر من البيانات الحسّية الأولية إلى خبرات حسّية وإدراك متجانس للعالم من حولنا؟

أجرى باحثون من المدرسة الدولية للدراسات المتقدّمة دراستين لاستكشاف منطقة في المخّ تُعرف بالقشرة الجدارية الخلفية ودراسة علاقتها بالإدراك الحسّي. وأظهرت الدراستان أنَّ هذه المنطقة تسهم عند الجرذان في دمج البيانات الحسّية المختلفة وتشكيل ذكريات الخبرات الحسّية الحديثة.

نُشِرَت إحدى الدراستين في 30 يناير/كانون الثاني في مجلّة نيورون، وأظهرت كيف تتداخل الإشارات العصبيَّة المنطلقة من أنظمة حسّية مختلفة في هذه المنطقة المخّية. سعى الباحثون في هذه الدراسة إلى فهم كيفية تعرُّف الدماغ على الأشياء دون وجود كلّ الخصائص الحسّية الخاصة بها. كيف يتعرَّف الدماغ مثلًا على التفاحة بمجرّد رؤيتها ودون الحاجة إلى شمّها أو تذوُّقها أو لمسها؟ راقب الباحثون هذه العمليَّة من خلال قياس النشاط العصبي في القشرة الجدارية الخلفية لدى فئران عند تفاعلها مع بعض الأجسام. وجد الباحثون أنَّ الخلايا العصبية تختلف في طريقة ترميز معلومات الأجسام، لكنَّ الاستجابة العصبية لا تختلف سواء كانت المعلومات بصرية أو سمعية أو من خلال اللمس.

وقال ماثيو دياموند الباحث الرئيس في بيان صحفي «تعني هذه النتائج أنَّ الخلايا العصبية تحرّر رسائلها بناءً على هويّة الجسم أو الشيء المحسوس كاملًا وليس الخصائص الحسّية التي تعرَّف عليه الدماغ من خلالها.»

استكشاف الحواسّ

نُشِرت الدراسة الأخرى التي أجراها الفريق في 9 يناير/كانون الثاني في مجلَّة نيتشر. وركَّز الباحثون على دراسة الدارة العصبية في القشرة الجدارية الخلفية في المخ. وتتسبَّب هذه الدارة أحيانًا بتحريف ذكرياتنا بسبب التوقُّعات التي يفترضها الدماغ. عرَّض الباحثون جرذان لأصوات مختلفة في الشدة. راقبوا بعد ذلك كيف تتشكَّل الذكريات الحسّية الحديثة لهذه الأصوات وكيف تحتفظ بها أدمغة الجرذان لتقارن في وقت لاحق بين الذكرى المخزَّنة والصوت التي ستسمعه لاحقًا.

وجد الباحثون من خلال مراقبة القشرة الجدارية الخلفية أنّ ذكرى آخر صوت تسمعه الجرذان تُخزَّن بقيمة وسطيَّة نتجت من كلّ الأصوات السابقة التي سمعتها في التجربة. أكَّدت هذه النتائج أنَّ القشرة الجدارية الخلفية تسبّب تغيُّر الذكريات المخزَّنة وانزياحها نحو القيم المتوقَّعة بناء على الخبرة الحسّية.

كيف يفهم الدماغ التنبيهات الحسّية مثل الصوت؟ حقوق الصورة: جيرالت/بيكسباي

يتطلب تأكيد هذه النتائج تجربتها عند البشر قبل تعميمها. لكنَّ التعمُّق في دراسة آليَّة عمل الدماغ حتّى لدى الجرذان يساعدنا على فهم طبيعة البشر وأدمغتهم.

تساءل العلماء على مدى عقود كيف تسهم البيانات الحسّية الأولية في تشكيل إدراكنا للعالم حولنا. تقترح الدراستان الحديثتان أنَّ القشرة الجدارية الخلفية تلعب دورًا في عمليَّتَيْن مهمَّتَيْن: دمج الإشارات الحسّية، وتخزين الذكريات الحسّية واسترجاعها. وتشير الدراستان إلى أنَّ هذه المنطقة مسؤولية عن دمج ثلاثة أنواع من البيانات الحسّية: البصرية والسمعية واللمس

إن كانت هذه العمليَّات المُكتشَفَة في أدمغة الجرذان موجودةً لدى البشر فسيؤثّر هذا الفهم الجديد على التقنية في المستقبل. إذ قد تلعب العمليَّات العصبية المسؤولية عن خبراتنا الحسية دورًا مهمًّا في تطوير تقنية الأجهزة القابلة للارتداء. وقد تسهم في تقدُّم أبحاث واجهات الدماغ الحاسوبية أيضًا.