صناعة التجدد البشري

ما انفك البشر يحلمون بتجديد أجزاء الجسم، وألهم ذلك البحث العلمي منذ عقود إلى اليوم.

تعد دودة البلوط المائية التي تسكن الشعاب المرجانية وتتخذ جحورًا في الرمال أحد أقرب اللافقاريات علاقةً بالإنسان. وتجدد تلك الديدان أي جزء يُقطَع من جسمها حتى إن كان ذلك جهازها العصبي ورأسها، إذ ينتج قطع دودة البلوط إلى نصفين دودتين كاملتين خلال 15 يومًا. ويشبه جسم تلك الديدان تركيب جسم البشر إلى درجة مذهلة، ولهذا تساءل الباحثون: بما أن البشر وتلك الديدان يتشاركون بكثير من الجينات ذاتها، ألا يجدر بنا أن نتمتع بتلك القدرات التجديدية ذاتها؟

وعلق بيلي سوالا أستاذ علم الأحياء في جامعة واشنطن، في بيان صحفي يكشف عن أخر التطورات في أبحاثه «أعتقد حقًا أن البشر يملكون إمكانية التجدد لكن شيئًا لا نعرفه يمنع ذلك.» ويعمل سوالا مديرًا لمختبرات فرايداي هاربور، وهو عضو فريق بحثي مع شون لتريل يركز على التجدد في اللافقاريات، وأضاف قائلًا «أعتقد أن لدى البشر هذه الجينات ذاتها، وإن عرفنا كيفية تنشيط هذه الجينات سنتمكّن من تجديد أعضائنا.»

وعلى الرغم من أنك ذلك يبدو شبيهًا بالخيال العلمي، فإن كثيرًا من علماء البحث الأخير على دودة البلوط يعتقدون أن تجديد أجزاء الجسم البشري أمرًا قابلًا للتحقيق. فنحن بالفعل نجدد الجلد والأظافر وقطع من الأعضاء الأخرى، ونملك أيضًا كثير من الجينات اللازمة. وتقول لتريل «نحن نشترك مع هذه الحيوانات في الآلاف من الجينات ونملك كثير من الجينات التي تستخدمها في تجديد أجزاء جسمها أو حتى كلها. وقد يسهم هذا في تجديد الجهاز العصبي المركزي للبشر إن عرفنا الآلية التي تستخدمها تلك الديدان للتجدد.»

محاكاة عمل الديدان

توجد آلية التجديد البشرية في حمضنا النووي ضمن جميع خلايا أجسام البشر، وتتضمن معلومات كافية لبناء الأجسام وتجديدها. لكن لا نصل إلى هذا الجزء من الآلية نتيجة بعض الأسباب التطورية. وأحد الأسباب المحتملة لذلك هو أن التجدد سيستهلك كمية كبيرة من الطاقة في كائن معقد مثل الإنسان. والسبب الآخر هو أن جهازنا المناعي المتطور يوقف العملية باستجابات معينة مثل تكوين الندبة.

بحَثَ فريق جامعة واشنطن عن أنماط التعبير الجيني التي تحدث عندما يبدأ التجدد في ديدان البلوط. ويتّبِع التجدد الخطوات ذاتها بالضبط في جميع الديدان بمجرد أن يبدأ، ويعتقد العلماء أنه يوجد جين تحكم رئيس، وإذا كان هذا الجين هو الذي يبدأ العملية فربما نستطيع تحفيز التجدد في البشر.

يحاول العلماء أيضًا معرفة أنواع الخلايا التي تعمل كوحدات بناء في التجدد. وتعد الخلايا الجذعية مرشحًا محتملًا لكن ربما تعتمد تلك العملية على إعادة تخصيص بعض الأنواع الأخرى من الخلايا للتجدد. ويأمل الفريق تنشيط الجين أو تعديله من أجل بداية العملية في حيوانات أخرى وصولًا إلى الإنسان.

قد يغيّر هذا وجه الطب، إذ سيجدد ضحايا الحروق جلودهم ولن يحتاج الناس إلى انتظار زراعة الأعضاء، وإذا فقد أحدهم طرفًا في حادث فإنه سينمو مجددًا. وإن وجد العلماء أن تطبيق هذه التقنية ممكنًا فلن تحدث عمليًا في وقتٍ قريب. فالتحديات معقدة وخاصة على مستوى معرفة كيفية تجديد الجهاز العصبي البشري والدماغ والأعضاء الداخلية. لكننا نملك الجينات المناسبة وسترى ذريتنا التجدد البشري جزءًا من الواقع الطبي خلال المئة عام المقبلة.