اعتمدت معظم النماذج الاقتصادية على مبدأ العرض والطلب، فكلما ندر توفر بضاعة معينة وازداد الطلب على شرائها، ارتفع سعرها، واستمر اعتماد هذا المبدأ لفترة طويلة في المجتمعات الرأسمالية في جميع أنحاء العالم.

قال بيل جيتس في مقال نشره في الأسبوع الماضي أن صلاحية هذا المبدأ قد انتهت، فهو لا يمت بصلة لطبيعة الاقتصاد الحالي، ويرى جيتس أن العديد من السياسيين فشلوا في سن تشريعات تناسب التحولات الاقتصادية الجديدة وفي توجيه البلاد نحو المستقبل، إذ لم تعد الطريقة التي تجني بها الشركات الكبرى الأموال مرتبطة بأشياء ملموسة، ومع أن بعض الشركات ما زالت خاضعة لتأثيرات العرض والطلب مثل شركة تسلا التي تربط أسعارها بكمية العرض والطلب، لكنها أصحبت الاستثناء وليست القاعدة.

أما حين ننظر إلى الشركات التي تتعامل حصريًا مع البرامج، فلم تعد المفاهيم التقليدية للعرض والطلب مهمة الآن، إذ تُدفع جميع تكاليف تطوير البرامج الجديدة مسبقًا. وبينما تحتاج الشركات المصنعة للسلع التقليدية إلى دفع ثمن قطع الغيار ورواتب العمال عند إنتاجها، يمكن بيع برامج الحاسوب مثل برنامج محرر النصوص مايكروسوفت وورد وبيعه أو تحميله لأجل غير مسمى مقابل تكاليف قليلة نسبيًا، مثل تكاليف التوزيع وتكاليف خوادم البيانات.

تحدث جيتس في مقاله عن كتاب «الرأسمالية دون رأس المال،» الذي يناقش كيفية تغير الاقتصاد بعد أن بدأت الشركات الرائدة بالتجارة بمنتجات غير ملموسة، ويرى المؤلف أن المنتجات الرقمية- والتي يسميها باسم «الاستثمارات غير الملموسة»- تشكل خطرًا على الشركات والمستثمرين الذين لا يراعون الطرائق التقليدية التي يفكر بها الناس في الاقتصاد، إذ يعد تطوير البرمجيات مجازفة خطيرة، فلا يستطيع المطورون مثلًا تعويض خسائرهم بالطريقة ذاتها التي تتبعها الشركات الأخرى، فإذا فشلت شركة تسلا مثلًا في بيع منتجاتها، فستلجأ إلى تعويض خسائرها عن طريق بيع قطع الغيار والمعدات والمصانع، بينما لا تملك شركات تطوير البرمجيات شيئًا يمكن بيعه لتعويض خسائرها.

هذه الفكرة ليست دقيقة تمامًا، إذ تستحوذ الشركات الكبيرة والناجحة على التعليمات البرمجية لبرنامج معين من الشركات الصغيرة. واستحوذت فيسبوك على عدد من الشركات الصغيرة، إلى درجة أن بعض السياسيين مثل ليندسي جراهام يرون أن الموقع أصبح شركة احتكارية.

لا يتمتع كل السياسيين بالخبرة التقنية الكافية التي تسمح لهم بانتقاد سلوك فيسبوك التجاري، فالعديدون منهم لا يفهمون آلية بيع الشركات التقنية لمنتجاتها، لكنهم مع ذلك مسؤولون عن وضع السياسات الاقتصادية في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد شاهدنا مثلًا جلسات استجواب الكونجرس لمارك زوكربيرج بعد فضيحة كامبريدج أناليتيكا، إذ لم يكن لدى أعضاء مجلس الشيوخ والنواب أي فكرة عن طريقة كسب شركات التواصل الاجتماعي للأموال أو عن القوانين التي تنظم عملها.

لا ريب أن رأي جيتس صحيح نسبيًا، فالسياسيون الأمريكيون فشلوا في التكيف مع الاقتصاد الرقمي المتنامي، ويشير جيتس إلى أن الناتج المحلي الإجمالي -وهو مجموع السلع والخدمات المباعة في بلد معين، والذي يعد معيار لتطور الاقتصاد فيه- لا يأخذ في الحسبان أي استثمار في المنتجات غير الملموسة والتي تحتاج إلى مثل غيرها من المنتجات إلى التسويق والتطوير ودراسة السوق المستهدف بدقة، وعلى الرغم من أن هذا الأمر لم يكن مهمًا خلال العقدين الماضيين، لكنه يتمتع بأهمية كبيرة في الوقت الحالي، إذ تمثل الشركات التقنية جزءًا كبيرًا من الاقتصاد الأمريكي، ويشير في الوقت ذاته إلى مدى تأخر الحكومة الأمريكية في التكيف مع تغير الاقتصاد وتطوره.

لم يقدم جيتس أي توصيات محددة لسياسات اقتصادية جديدة، أو ما الإجراءات التي يجب أن تنفذها الحكومة، وكيف يجب أن تعيد البلاد ترتيب أولوياتها الاقتصادية، لكن الواضح أن أساليب التفكير الاقتصادية البسيطة قد أصبحت من الماضي، لذا على المشرعين سن قوانين جديدة لتنظيم عمل الشركات وجباية الضرائب، والتي تتناسب مع النموذج الاقتصادي الجديد ومع الطريقة التي تجني بها الشركات الأمريكية المال، وإن كان السياسيون يرغبون بزيادة نمو الاقتصاد الأمريكي، فهم بحاجة إلى فهمه أولًا.

قال جيتس في مقاله «كانت فكرة اعتبار البرامج سلعة حقيقة غير قابلة للتخيل في الماضي، لكن أفكارًا كثيرة تغيرت منذ ثمانينيات القرن الماضي، وحان الوقت لنغير أفكارنا عن الاقتصاد أيضًا.»