يرسم خبراء الذكاء الاصطناعي تصورات طموحة لمستقبلنا، في محاولة لإثارة الشغف لدى الأفراد سواء كانوا مهندسين أم لا، لتجميع روبوتاتهم ومركباتهم ذاتية القيادة بأنفسهم كمكعبات الليغو؛ ويشير شاوشان لو، باحث الدكتوراه في اختصاص هندسة الحاسوب، والمؤسس المشارك ورئيس مجلس إدارة شركة بيرسبت إن، للذكاء الاصطناعي، إلى أن شعار العصر الرقمي هو «افعلها بالطريقة التي تريدها.»

ويرى لو أن الحواسيب أجهزة قابلة للتعديل حسب الرغبة. وفي الحقبة المبكرة للحواسيب الشخصية، عمد كثير من المستخدمين الأوائل إلى طلب اللوحات الأم، ووحدات المعالجة المركزية، وأجزاء أخرى عبر الإنترنت، ليجمعوا حواسيبهم الشخصية بأنفسهم. وغالبًا ما كان يبني لاعبو الحاسوب ومهندسوه وعشاقه أجهزتهم الشخصية على طريقتهم الخاصة نظرًا لحاجتهم لأداء أعلى لبعض المكونات تميز حواسيبهم عن أداء حواسيب المستخدمين العاديين، أو لرغبتهم في تحسين مكونات معينة تناسب متطلباتهم. وتستمر تلك الممارسات حتى يومنا الحالي. وألهم الحاسوب المتعدد الاستخدامات رسبري باي مجموعات متنامية من المتحمسين لبناء روبوتات بسيطة؛ من سيارات التحكم عن بعد، إلى ألعاب الإنترنت.

وتصبح المزايا المستقبلية للذكاء الاصطناعي والروبوتات ملكنا في حال عملنا كمبتكرين، وليس مجرد مستهلكين لهذه التقنية الجديدة؛ سواء كنا مهندسين أم لا. وتدخل المركبات والروبوتات في الإطار ذاته.

ويبدو أننا ندفع تكلفة إنسانية حقيقية للطريقة التي نسافر بها اليوم، ووفقًا لمجموعة بوسطن الاستشارية، يقضي الأمريكيين نحو 30 مليار ساعة سنويًا في القيادة، أو عالقين في الازدحام المروري، أو باحثين عن مكان لركن مركباتهم. ويبدو أننا بحاجة لطرق قيمة أكثر لقضاء وقتنا. والأهم من ذلك تحري السلامة، إذ تشير التقديرات الصادرة عن مجلس السلامة الأمريكي إلى أن أكثر من 40 ألف شخص ماتوا عام 2017 بسبب حوادث السيارات في الولايات المتحدة.

وليس سرًا أن المركبات ذاتية القيادة يمكنها أن تحقق نتائج أفضل، إذ يصل معدل حوادث السائقين إلى 4.2 حادث في كل 1.6 مليون كلم، في حين أن المعدل الحالي لحوادث المركبات ذاتية القيادة هو 3.2 حادث في كل 1.6مليون كلم فقط، وفي حال وصلت المركبات ذاتية القيادة إلى مستويات سلامة أكبر وانخفضت معدلات حوادثها إلى درجة يمكن إهمالها، فيمكن عندها إنقاذ عدد كبير من تلك الأرواح.

والواقع أن أمامنا نحو 5 إلى 10 أعوام حتى نصل إلى طريقة سفر آمنة ومريحة، مع أن التقنية لم تنضج بما يكفي حتى الآن، إذ أقر معهد تأمين السلامة على الطرق السريعة غير الربحي في تقييمه لخمس مركبات ذاتية القيادة أن «أنظمة اليوم لا تعد بدائل قوية عن السائقين البشريين.»

لكن الصورة أكبر من ذلك؛ فالتفكير بالمركبات ذاتية القيادة كسيارات على الطريق، يشير إلى قصور في المخيلة، إذ يمكن للمواطنين في جميع مناحي الحياة أن يلعبوا دورًا في بناء آلات تخدم احتياجاتهم؛ فمثلًا بإمكان متجر بقالة متنقل يقود ذاته توصيل وجبات طعام إلى مجتمعات محرومة، ربما لم يكن بالإمكان الوصول إليها من قبل. وكشف قسم البحث والتطوير في شركة آيكيا حديثًا عن أفكار عدة لإعادة التفكير بمساحات العمل والمقاهي والرعاية الصحية.

ويشير قادة التقنية إلى أن بناء مركبات ذاتية القيادة أمر صعب جدًا؛ ووصف تيم كوك، تحديات بناء المركبات ذاتية القيادة بأنها «والدة جميع مشاريع الذكاء الاصطناعي» وغرد إيلون ماسك في صفحته على تويتر حديثًا إنه «من الصعب جدًا تحقيق حل عام للقيادة الذاتية يعمل جيدًا في كل مكان.»

خلاف في الرأي

ويعبر شاوشان لو، باحث الدكتوراه باختصاص هندسة الحاسوب، والمؤسس المشارك ورئيس مجلس إدارة شركة بيرسبت إن، للذكاء الاصطناعي، عن مخالفته لذلك، مقترحًا أن نطبق أسلوبًا شبيهًا بلعبة مكعبات الليغو لبناء روبوتات ومركبات ذاتية القيادة.

وقال لو «يمكن للمطورين بهذه الطريقة استخدام الوحدات الأساسية ككتل بناء، وإنشاء روبوتات ومركبات ذاتية القيادة، بما يناسب احتياجاتهم تمامًا، سواء كان ذلك لأجل مركبات أرخص أو أكثر كفاءة أو أكثر أمانًا أو أسرع أو لخدمة غرض معين أو ببساطة لتحقيق رؤية إبداعية. ويشجع مفهوم ركّب وشغّل الأشخاص على الاستمتاع ببناء آلاتهم ذاتية القيادة. وإذا كانت عملية بناء مركبات ذاتية القيادة بسيطة وممكنة بمكونات نمطية أساسية، فباستطاعة أفراد يملكون فهمًا مبدئيًا للهندسة أن يدمجوا تلك العناصر الخمسة أو الستة بسهولة لبناء مركباتهم ذاتية القيادة.»

وأضاف إن «المركبات أو الروبوتات تشبهان الحواسيب، فهي تعتمد مبدأ تجميع الأجزاء ذاته، ولا تحتاج فعليًا لإنشاء دارة حاسوب لتصمم جهازك الخاص. ويمكن تطبيق الأمر ذاته على المركبات ذاتية القيادة. والمطلوب توفر مكونات جهاز الاستشعار، والهيكل القابل للتعديل بناءً على احتياجاتك الخاصة للمركبة، بالإضافة للعمل الجاد.»

واقترح لو تقسيم المركبات ذاتية القيادة إلى ستة مكونات أساسية؛ نظام تحديد مواقع عالمي دقيق جدًا، ووحدة إبصار حاسوبية لأجل التموضع، ووحدة إبصار أخرى لإدراك النشاط أو الكشف عن المشاة والسيارات في البيئة المحيطة، وأنظمة رادار وسونار للطوارئ أو لتفعيل المكابح لدى اقتراب الأجسام من المركبة، ووحدة تخطيط ومراقبة، ووحدة هيكل لتنفيذ خطط التحرك.

إن اتباع نهج الوحدات في بناء الأفراد الفراد الشخص لروبوتاتهم أو مركباتهم ذاتية القيادة، يجعل العملية أبسط. ويحتاج المطورون لفهم المواصفات واتباعها فقط. ويمكن لمن يمتلك خلفية هندسية من المستخدمين الأوائل إنشاء مركبات شخصية ذاتية القيادة، تلبي احتياجات محددة. وكل الاحتمالات واردة؛ من آلة بيع ذاتية القيادة للجامعات، إلى مركبات توصيل الغذائيات من المزرعة إلى المائدة، إلى مكتبة على عجلات.

ويمكن أن يوفر هذا التنوع قيمة عملية تتجاوز قيمة المركبات ذاتية القيادة المعدة للطرق السريعة. فيمكن للمزارع على سبيل المثال استخدام المصادر والمعرفة المتوفرة في الكتب المدرسية والكتيبات لبناء آلة ذاتية القيادة لري أرضه أو رشها بالمبيدات.

ولكي يحقق نهج الوحدات المستقبلي انتشارًا أوسع، فإننا نحتاج قبل كل شيء لتصميم أداة وصل بينية موحدة لربط المكونات المختلفة، تُمكننا من توصيل مكونات المستشعر المختلفة دون إعادة تحديث النظام كاملًا؛ فمثلًا يمكن للمطورين استخدام نظام تحديد المواقع العالمي عندما تكون المركبة في الهواء الطلق لتتبع موقعها، والتبديل بسهولة إلى نظام إبصار حاسوبي إذا كانت المركبة في الداخل. وطالما أن هاتَين الوحدتَين تزودان الأداة البينية ذاتها، لا يحتاج المطورون إلى إعادة برمجتها من جديد لإجراء التغيير.

ولا يقتصر الأسلوب الشبيه بالليغو أو القائم على أساس الوحدات، على تبسيط مهمة المهندسين لتصميم وبناء مركبات ذاتية القيادة، بل يتعلق الأمر ببناء مجتمع يجمع أفراده التفكير ذاته والشغف بالتقنية والاعتماد على الذات، لإيجاد تطبيقات جديدة للآلات ذاتية القيادة. على غرار منجزات هواة الطائرات دون طيار ومستخدمي لينكس ومنتجي ميكر فير الذين عملوا في مجتمعات متحمسة مماثلة، ومهدوا في كثير من الأحيان عن غير قصد الطريق لتطوير تقنيات جديدة ناشئة.

وأشار لو إلى أن «البشرية تقف أمام منعطف فريد. يمكننا كمواطنين أفراد إعادة تصور آلية استخدام الروبوتات لمعالجة جوانب جديدة من طرق العيش والعمل والسفر واللعب. نحن ببساطة لا نتحمل أن نترك الآخرين يرسمون لنا حياتنا باستخدامات محددة للروبوتات والذكاء الاصطناعي والآلات ذاتية القيادة. يجب أن نتعلم اليوم المهارات اللازمة لابتكار طرق تشجع الطلاب على تعلم البرمجة. وليس بالضرورة أن نتحول جميعنا لمهندسين، بل يتعلق الأمر بأن نصبح أشخاصًا مبدعين لا مستهلكين. مع فهم لآلية عمل التقنية المتغلغلة في حياتنا. وبهذا النهج نضمن أن نكون بشرًا مبدعين وقادرين على رعاية بعضنا، وأن نتصدر موقع القيادة في عصر الروبوتات المقبل.