هل شاهدت فيلم الكارثة «ذا دي آفتر تومورو» الذي تدور أحداثه حول عالم مناخ حالم وبداية مفاجئة لعصر جليدي ومحيط أطلسي مياهه ساكنة؟ ربما نعيش مشهدًا مشابهًا لتلك الكارثة قريبًا، وفقًا لدراستين حديثتين نشرتهما مجلة نيتشر، وقدمتهما تحت مجموعة من العناوين:

قال علماء لموقع مرصد المستقبل أن تفسير تلك النتائج بمثابة علامة على حدوث كارثة كما فعلت بعض وسائل الإعلام يُعد مبالغةً كبيرةً. وأوضحت الدراستان أن «التيارات التقلبية الجنوبية للمحيط الأطلسي» -وهي دورة تنتقل فيها الحرارة خلال محيطات العالم وتحمل في طياتها تأثيرات كبيرة على المناخ- تباطأت فجأةً منذ 150 عامًا، وأصبحت حركتها أبطأ بكثير مما كانت عليه منذ 1500 عام مضت، وأشارتا إلى أنها استمرت في التباطؤ منذ ذلك الحين بسبب تغير المناخ.

التيارات التقلبية في المحيطات العالمية. تظهر تيارات المحيط الأطلسي على يسار الخارطة، التي تُعد محركًا قويًا للدورة كاملةً. حقوق الصورة: ناسا/جيه بي إل.

اقترحت النماذج المناخية أن التغير المناخي الناجم عن النشاط البشري قد يكون السبب في التباطؤ، إذ تؤدي مياه المحيط الدافئة والمياه العذبة الناجمة عن ذوبان الجليد إلى منع تدوير المياه إلى الأعماق كالعادة. وإن حدث ذلك التباطؤ حقًا، فسيتغير مناخ شمال أمريكا وأوروبا الغربية كليًا، وسيؤدي إلى حدوث الأعاصير وتشكل حلقات الرياح في أرجاء العالم.

خلص التقرير إلى أن احتمالية توقف مسارات المحيط الأطلسي الذي قد يؤدي إلى حدوث تأثيرات مشابهة لفيلم ذا دي آفتر تومورو منخفضة جدًا، وأشار أيضًا إلى أن تلك التغيرات تحتاج إلى قرون لتحدث. وقال البروفيسور الباحث «ريتشارد سيغر» من مرصد لامونت دوهيرتي إيرث التابع لجامعة كولومبيا الذي يركز على تغير المناخ وتقلباته لمرصد المستقبل «لا تصدقوا ما قيل حول التيارات التقلبية الجنوبية للمحيط الأطلسي،» وأضاف «على الرغم من أنه يصعب محاكاة تلك التيارات باستخدام نماذج المناخ الحديثة، لكنها لا تُظهر انهيارها مستقبلًا بل تباطؤها فحسب.»

ولم تُظهر النماذج حتى الآن ترابطًا حتميًا بين التغيرات المزعومة في التيارات التقلبية الجنوبية للمحيط الأطلسي وتغير المناخ الناجم عن نشاطات الإنسان. لكن الورقتين الحديثتين تشيران إلى أن تغير المناخ هو السبب في حدوث التباطؤ منذ 150عامًا، إذ تشير إحداهما إلى ارتباط التباطؤ بتغير المناخ الناجم عن نشاطات الإنسان، بينما خلصت الأخرى إلى أن العمليات الطبيعية أبطأت دورة المحيط. وجدير بالذكر أن فكرة تباطؤ التيارات التقلبية الجنوبية للمحيط الأطلسي غير مدعومة بمشاهدة مباشرة، ويحتفظ العلماء بقياسات للعقد الماضي وبيانات، ولم يؤكدوا صحة هذه الادعاءات.

قالت «مارثا باكلي» مدرسة الأبحاث المساعدة في علوم الأغلفة الجوية والمحيطات والأرض من جامعة جورج ميسون «خلصت ورقتا نيتشر إلى وجود تغيرات بارزة في التيارات التقلبية الجنوبية للمحيط الأطلسي،» وأضافت «أظن ان أغلب العلماء سيتفقون معي أن ذلك غير صحيح. وأعتقد أن الورقتين دفعتا الجماهير إلى الاعتقاد بأن نتائجهما مبنية على المشاهدات، لكنها تعتمد كثيرًا على نماذج المناخ.»

أشارت باكلي إلى أن تقاريرًا عديدةً خلطت بين التيارات التقلبية الجنوبية للمحيط الأطلسي وتيار الخليج، ما يُعد خطأً صريحًا، فعلى الرغم من أن تيار الخليج يلعب دورًا في تحريك التيارات التقلبية الجنوبية للمحيط الأطلسي وغيابه يضعفها، لكنه يعتمد على الرياح في حركته وسيبقى موجودًا وإن توقفت تلك التيارات.

أشارت «أناليزا براكو» أستاذة علم المحيطات وحركيات المناخ من جامعة جورجيا تيك في بريد إلكتروني لمرصد المستقبل إلى أن «نماذج المحاكاة لا تتوافق مع نتائج الورقتين ولا تظهر انخفاضًا بارزًا في سرعة التيارات خلال الأعوام 150 الماضية.» وحين سألناها إن كان البحث يدعم فكرة حدوث انهيار في مسار الخليج أسرع من المتوقع، فأجابت ببساطة بالنفي.

قال سيغر «في هذه المرحلة من أبحاث المناخ لا داعي من القلق حيال انهيار التيارات التقلبية الجنوبية للمحيط الأطلسي وبرودة شمال الأطلسي،» وأضاف «توجد هموم كثيرة لنهتم بها، مثل الفيضانات وكوارث الجفاف وحالات الطقس الصعبة وموجات الحرارة المرتفعة وعدم استقرار غطاء غرينلاند الجليدي وارتفاع مستوى البحر... وهي تعد المشكلات الحقيقية.»

تشغل تهديدات أخرى كثيرة مرتبطة بالمناخ بال العلماء وتدعمها بيانات فعلية ودلائل، وقد تجذب سيناريوهات الكارثة المفاجئة قراءً كثيرين، لكن الأفضل أن تبقى دراما كوارث المناخ في هوليوود.