باختصار
وصفت منظَّمة الصحّة العالمية الجراثيم المقاومة للمضادَّات الحيوية بأنَّها أحد أهمَّ مشكلات الصحّة التي تجتاح العالم حاليًّا، ولدينا الآن حلفاء غير مألوفين يساعدوننا في هذه المعركة.

الانتشار الفيروسي

تطوّر عدَّة شركات تقانة حيوية أمريكية وسائل جديدةً تعتمد على علم الجينات والذكاء الاصطناعي لمكافحة الجراثيم المقاومة للمضادَّات الحيوية. ويشترك معها في هذه الحرب حليف جديد هو الفيروسات، وخصوصًا الفيروسات العاثية للجراثيم «أو الملتهمة للجراثيم.»

وعولج مرضى عديدون يعانون من أخماج جرثومية مهدّدة للحياة باستخدام هذه الفيروسات، لكنَّها كانت تعدُّ الملاذ الأخير. فالعلاج بالعاثيات ليس مثاليًّا لأنَّه يتطلَّب التعرُّف على الجراثيم بدقَّة ثمَّ اختيار العلاج الملائم وإعطاءه للمريض قبل أن تتفاقم حالته الصحّية. ويتطلَّع العلماء إلى تسريع هذه العمليَّة دون التضحية بالدقَّة والسلامة المطلوبتين، وهذا ما يسعى إليه الباحثون في دراسة جديدة.

المقاومة

قد تكون الجراثيم كائنات صغيرةً لكنَّها قادرة على أن تعيث فسادًا في المجتمعات. وتعلم منظَّمة الصحَّة العالمية خطورة هذه الكائنات لذلك وصفت الجراثيم المقاومة للمضادَّات الحيوية بأنَّها من أهمّ مشكلات الصحَّة التي تجتاح العالم اليوم.

ولا ريب أن فهم أسباب نشوء هذه المقاومة للمضادَّات الحيوية هو أوَّل خطوات إيجاد الحل الملائم. ولا تقتصر المشكلة على عدم كفاءة المضادَّات الحيوية الحالية ضد الجراثيم فحسب، بل تمتدُّ أيضًا إلى عدم توفُّر مضادَّات كافية لاستخدامها ضدَّ السلالات الجديدة. وبالنظر إلى معدَّل انتشار مقاومة المضادَّات الحيوية بين الجراثيم، فإنَّ الأمن الصحّي العام يعتمد على الخيارات الجديدة التي ينبغي أن تُطرَح في القريب العاجل.

الجراثيم: عدوٌّ أم صديق؟

نعلم ما يكفي عن الجراثيم. عاشت الجراثيم إلى جانب البشر وداخل أجسامهم على مدى التاريخ. ويستفيد البشر من التكافل الذي يحقّقه العيش المشترك مع الجراثيم، ومنها الجراثيم التي تعيش في جهازنا الهضمي مثلًا. تُعَدُّ معظم الجراثيم التي تعيش على سطح الجلد صديقة للبشر، ولا تسبّب لنا الأذى على أقل تقدير، وما نخشاه حقيقةً هي الجراثيم التي تسبّب الأمراض والتي نحاول أن نقي أنفسنا منها.

إن كنت تعاني من حرارة مرتفعة والتهاب في الحلق، فعليك الذهاب إلى طبيبك لإجراء فحص جراثيم العقديَّات السريع. وإذا كانت نتيجة الفحص إيجابيَّة لجراثيم العقديَّات، فسيصف لك الطبيب جرعةً محدَّدةً من المضادَّات الحيوية. تقتل هذه المضادَّات الحيوية الجراثيم أو تمنعها من التكاثر، وأسهمت على مدى عقود في مكافحة الجراثيم التي تسبّب الأمراض لدى البشر بكفاءة. إلَّا أنَّ ذلك بدأ يتغيَّر، لأنَّ الجراثيم بدأت تتغيَّر أيضًا، وهي تتغيَّر بمعدَّل أسرع من قدرتنا على تطوير أدوية جديدة.

تصبح الجراثيم مقاومةً للمضادَّات الحيوية بعدَّة طرائق: أحيانًا من خلال إحداث تغييرات على خصائصها لتصبح منيعة ضد الأدوية، وأحيانًا من خلال تطوير آليَّات تبطل تأثير الأدوية وتجعلها غير فعَّالة. وكلَّما زاد تعرُّض الجراثيم لدواء معيَّن، زادت فرصة اكتساب الجراثيم لخصائص مقاومة له. ولا يتطلَّب الأمر أكثر من جرثومة واحدة تطوّر طريقة لمقاومة المضادَّات الحيوية لتبدأ التكاثر ونشر هذه القدرة الجديدة بين أجيال الجراثيم اللاحقة.

ولحلّ مشكلة مقاومة المضادَّات الحيوية علينا تحليل الجراثيم وغزو بنيتها. ولتحقيق ذلك، يحتاج العلماء إلى كائنات أصغر حجمًا لكنها قويَّة في الوقت ذاته، ما يجعل الفيروسات خيارًا مثاليًّا لذلك.

الدعم التقني

عندما يتقدَّم العلم في مجال معيَّن، فإنَّه غالبًا ما يسهم في حلّ مشكلات في مجالات أخرى. وأسهمت تقنيات الهندسة الجينية ووسائل دراسة تسلسل الحمض النووي منقوص الأكسجين «الدنا» في تصنيع علاجات مهمَّة وتحقيق إنجازات طبّية أقل ما يقال عنها أنَّها خارقة. وأسهمت الروبوتات والحاسبات في تحسين ظروف الصحَّة العامة، سواء من خلال غربلة المعلومات أو المساعدة في العمليَّات الجراحية. وقد يستفيد العلاج بالعاثيات من تقدُّم هذه التقنيات المتنوَّعة، على الرغم من تحقيقه نجاحًا جزئيًا حتَّى الآن.

تعمل الشركة الناشئة أمبليفاي للعلوم الحيوية على سلسلة جينوم الجراثيم المسبّبة للأمراض كالعنقوديَّات المذهَّبة لاختيار أفضل فيروس من عاثيات الجراثيم يستطيع القضاء عليها. ويسعى الباحثون لتهيئة العلاج ليصبح معدًّا وجاهزًا للمريض عندما يحتاج إليه.

وتعمل شركة ناشئة أخرى، تُدعى شركة أدابتيف فيج الدوائية، على تطوير خوارزميَّة تعلُّم آلي تستطيع معالجة المعلومات الجينية للجراثيم وفيروسات عاثيات الجراثيم بمعدَّل أسرع من الوسائل المتاحة حاليًّا وتستغرق ساعات طويلة. وعندما يكتمل إعداد النظام، سيصبح قادرًا على اختيار الفيروس العلاجي الملائم لكلَّ نوع من الجراثيم.

وقال جريج ميري المدير التنفيذي لشركة أدابتيف فيج الدوائية لمجلَّة التقارير التقنية لمعهد ماساتشوستس للتقنية «عندما يصبح المريض معتلًّا بشدَّة، تصبح كلّ دقيقة مهمَّة لإنقاذ حياته.» ويُعَدُّ الوقت مفتاحًا أساسيًّا لنجاح العلاج، ليس لدى المرضى فحسب، بل لدى جميع الأشخاص المعرَّضين للمرض حول العالم أيضًا.

وتسعى الشركتان أمبليفاي وأدابتيف فيج الدوائية لإجراء تجارب سريرية في أقرب وقت ممكن. إذ أنَّ نموّ مشكلة مقاومة المضادَّات الحيوية، يستعدي طلب النتائج في أقرب وقت ممكن.