عند رجوعك إلى الدراسة بعد عطلة الصيف قد تشعر بأنك نسيت كل شيء تعلمته العام الماضي، ولو كانت طريقة تعلمك تماثل الطريقة ذاتها التي يتعلم بها الذكاء الاصطناعي، لكان هذا حدث لك حقًّا، أي ما إن تجلس في فصلك في أول يوم دراسي حتى يَمَّحي من ذاكرتك كل شيء، وتبدأ من الصفر؛ ويُطلَق على نسيان الذكاء الاصطناعي لكل شيء تعلمه بمجرد تغذيته بمعلومات جديدة: النسيان الكارثي.

وما أَعْوَص هذه المشكلة! فالخوارزميات المتطورة تتعلم بتحليل أمثلة لا تُحصى لما يُتوقع منها أن تفعله، فنظام تَعرُّف الوجوه الذكي مثلًا يحلِّل ألوف الصور الوجهيّة، قبل أن يتمكن من تمييز وجه يَظهر له فجأة؛ لكنْ لأن تلك الأنظمة لا تستوعب أصلًا المنطق الذي تعمل على أساسه، فإن تدريبها على شيء جديد -وإن شابَه ما كانت تدرّبت عليه بالفعل، كالتعرُّف على مشاعر معينة- يَستلزم البدء من الصفر، وما إن يكتمل تدريبها، يتعذر تحديثها.

يعكف العلماء من سنوات على محاولة حل تلك المشكلة، وإن نجحوا فستتمكن الأنظمة الذكية من التعلم ببيانات جديدة من دون مسح كل ما تعلمَته من قبل، أي ستصبح الروبوتات قادرة على فعل أشياء عديدة في الوقت ذاته.

أما في الوقت الراهن فما زال النسيان الكارثي عقبة كبيرة تَحُول بين العلماء وبين تحقيق الذكاء الاصطناعي العام، وهو ذكاء اصطناعيّ شامل [يستطيع فعل كل ما يفعله الإنسان عقليًّا]، كتلك الأنظمة التي نراها في الأفلام والمسلسلات.

بل إن عددًا من خبراء الذكاء الاصطناعي الذين حضروا المؤتمر التعدُّدي المشترك عن الذكاء الاصطناعي الإنسانيّ المستوى في الأسبوع الماضي في براغ قالوا في حواراتهم مع مرصد المستقبل أو في عروضهم التقديمية إن مشكلة النسيان الكارثي من أهم الأسباب التي تجعلهم يَستبعِدون ظهور ذكاء اصطناعي عام أو ذكاء اصطناعي إنساني المستوى في المستقبل القريب.

النسيان الكارثي من أهم الأسباب التي تجعل الخبراء يَستبعِدون ظهور ذكاء اصطناعي عام أو ذكاء اصطناعي إنساني المستوى في المستقبل القريب.

لكن أيرينا هيجنز، عالمة الأبحاث في شركة دِيب مايِند التابعة لشركة جوجل، استغلت عرْضها في المؤتمر لتعلن أن فريقها بدأ فكّ مغاليق تلك المشكلة.

إذ طورت ممثِّل ذكاء اصطناعي -وهو أشبه بشخصية في لعبة فيديوية تتحكم فيها خوارزمية ذكية- يُفكر تفكيرًا بطريقة أذكى من تفكير الخوارزميات العادية، فما يواجهه في بيئة افتراضية يستطيع أن يتصور شكله في بيئة أخرى؛ وبعبارة أخرى: تمكنت الشبكة العصبونية الاصطناعية من فصل أشياء معينة لَاقتْها في بيئة افتراضية عن البيئة ذاتها.

ليس هذا كخيال البشر، فنحن نستطيع خلق صور فكرية جديدة تمامًا (كقدرتك على تصور طائر أحمر كَرَويّ ورؤيته بعينيْ خيالك)، أما الأنظمة الذكية فليست بالمستوى ذاته، لكنّ الأشياء التي رأتها بالفعل تستطيع تصوُّرها بهيئات جديدة وفي أماكن مختلفة.

قالت أيرينا في خطابها في المؤتمر الذي نظمته شركة جُود إيه آي «نريد أن تتعلم الآلات في استكشافاتها المنطق السليم الآمن، فلا تضر ذاتها؛» وكانت قد نشرت ورقتها البحثية مع تدوينة عنها في وقت سابق من الأسبوع ذاته.

فلنفترض أنك تمشي في الصحراء فرأيت صبَّارًا، ذلك النبات الصحراوي الشوكي الغليظ الذي تراه في الرسوم المتحركة كثيرًا. ستعرفه لأنك رأيته من قبل على الأرجح؛ لكن حتى إن لم يكن في محيطك أي صبار، فالأرجح أنك تستطيع تصور شكله في أصِيص كبير.

حاليًّا بات نظام أيرينا الذكي قادرًا على فعل مثل ذلك، فبِمنْحه خمسة أمثلة على شكل شيء من زوايا مختلفة، يستطيع ممثل الذكاء الاصطناعي أن يتعلم ماهية الشيء وعلاقته بالبيئة المحيطة، ومنظره المحتمَل من زوايا أخرى أو في إضاءة مختلفة. وسلَّطت الورقة البحثية الضوء على تدرُّب الخوارزمية على تمييز حقيبة سفر بيضاء أو كرسيّ، وكيف استطاعت بعد تدرُّبها أن تتصوُّر كيف سيبدو الشيء في بيئة افتراضية مختلفة تمامًا، وأن تميزه حين تراه في تلك البيئة.

قالت أيرينا «كنا نُشغِّل الإعداد ذاته الذي استخدمْتُه في حفز ذلك النموذج، ثم نقدِّم إليه صورة لشيء في بيئة، ونطلب منه تصور شكله في بيئة مختلفة.» وبرهنت الخوارزمية مرارًا وتكرارًا على تفوقها في أداء تلك المهمة على الأنظمة الذكية الأخرى التي تتصور للشيء صفات وخصائص أقل.

حقوق الصورة: إيميلي تشو

باختصار: صارت الخوارزمية الجديدة التي ابتكرتها أيرينا لشركة جوجل قادرة على ملاحظة الفرق بين ما تراه في وقت ما وما رأته من قبل، وصارت -مثل معظم البشر، وخلافًا للخوارزميات الأخرى- قادرة على فهْم أنَّ ما تراه ليس بجديد تمامًا لمجرد أنها تراه من زاوية جديدة. ويسعها بعدئذ استغلال قدرتها الحَوْسبيّة في الاستفادة من تلك المعلومات الجديدة، فتُحدِّث ما تعلمته عن العالَم، من دون حاجة إلى التدرب والتعلم من الصفر؛ أي صار النظام قادرًا على توظيف علْمه في البيئة الجديدة، والنتيجة النهائية تَكُون تسلسُلًا يوضِّح كيفية فهْم الخوارزمية لمختلف صفات شيء معين.

صحيح أن نموذج أيرينا لن يؤدي وحده إلى تحقيق الذكاء الاصطناعي العام، لكنه خطوة مبدئية مهمة نحو الخوارزميات الذكية التي تستطيع تحديث ذاتها باستمرار، وتعلُّم أشياء جديدة عن العالَم من دون خسارة ما تعلمته من قبل؛ وعن هذا قالت أيرينا «مهم جدًّا في رأيي أن نتوصل إلى أي شيء قريب من الذكاء الاصطناعي العام.»

«مهم جدًّا في رأيي أن نتوصل إلى أي شيء قريب من الذكاء الاصطناعي العام.»

إنَّ حال الخوارزميات الذكية كحال عديد من الأدوات الذكية الخاصة بتمييز الأشياء: تتفوق في أداء المهمات الصغيرة أثناء اعتمادها على قواعد محدَّدة، كالنظر إلى صورة وتمييز وجه فيها من بين أشياء عديدة أخرى؛ لكن نظام أيرينا الذكي الجديد يؤدي المهمة الصغيرة ذاتها بطريقة إبداعية كأنها محاكاة رقمية للخيال.

فصحيح أن بحث أيرينا لم يبدأ عصر الذكاء الاصطناعي العام فورًا، لكن لخوارزميتها الجديدة أن تُحسِّن الأنظمة الذكية التي نستخدمها بالفعل في مختلف أمورنا. فأيرينا جرَّبت على سبيل المثال استخدام نظامها الذكي في تحليل مجموعة بيانات كبيرة تُستخدم في تدريب برامج تَعرُّف الوجوه؛ وبعد أن حلَّلت الخوارزمية ألوف الصور التي حَوَتْها المجموعة، صار بوسعها أن تكوِّن تسلسُلًا لأي صفة صُنِّفت الصور على حسبها، من ذلك: التسلسل الذي عرَضته أيرينا لوجوه مرتَّبة على حسب لون البشرة.

ثم أوضحت أيرينا أن الخوارزمية تمكنت من فعْل مثل ذلك مع الصفات الذاتية التي عادةً ما تكُون في مجموعات البيانات تلك، أي إن النظام الذكي تعلَّم التحيُّزات البشرية؛ إذ عرضت أيرينا كيف أدت الصور التي عَدَّها الناس «جذابة» إلى تسلسل يشير مباشرة إلى النساء الشابات الناصعات البياض، وهذا يعني أن أي نظام ذكي تدرب بوساطة تلك الصور -وما أكثرها!- صار يَرى بالعين العنصرية ذاتها التي يَرى بها أولئك الذين صنَّفوا تلك الصور في البداية، العين التي تَرى البِيض أشد جاذبية من غيرهم.

تلك الخوارزمية الإبداعية الجديدة أفضل من البشر بالفعل من ناحية العثور على طرائق جديدة لكشف التحيزات البشرية الموجودة في الخوارزميات الأخرى، فتساعد بذلك المهندسين على إزالتها.

صحيح أنها لم تصل إلى مرتبة الفنّانين بعد، لكنها خطوة كبيرة نحو جعل الذكاء الاصطناعي يتصور تصورًا أقرب إلى تصور البشر.