تتفاخر كل شركة تقنية ناشئة تقريبًا باستخدامها الذكاء الاصطناعي لكنها لا تتناول سوى جانبًا محددًا منه، فشركة المؤثرات البصرية دجتال دومين تستخدم خوارزمية ذكاء اصطناعي لأتمتة برامج تحرير الفيديو وتحسينها، وفي مجال الرعاية الصحية، استعانت شركة بابيلون بالذكاء الاصطناعي لتطوير روبوت محادثة يجيب عن الفيض المتواصل من أسئلة المرضى.

تنجز هذه الأدوات المهام المطلوبة منها، فلا بأس بها، لكنها لن تؤدي إلى أكثر من ذلك، ولن يبنى عليها شيء أكبر منها، ومهما بدت أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية عظيمة، لن تحقق الشركات الناشئة إطلاقًا ذكاءً اصطناعيًا عامًا وهو نظام ذكاء اصطناعي متكامل كذكاء البشر. لذلك مهما برعت هذه الأنظمة في أداء مهامها، لن تفضي يومًا إلى ذكاء اصطناعي عام.

الشركات الناشئة لن تصل إلى الذكاء الاصطناعي العام

يبدو الأمر منطقيًا، لأن بؤر تركيز هذه الشركات ضيقة، والمثابرة على تطوير تطبيقاتها يعني الاستمرار بمزاولة أعمالها التجارية. غير أن ذلك مؤسف جدًا، لأن نهضة الذكاء الاصطناعي العام ستصاحب ثورة في كافة التقنيات.

إن طُوّر نظام ذكاء اصطناعي قادر على حل المشاكل والابتكار والتفكير المجرد، فإنه سيلهم تغييرات سريعة وواسعة في استكشاف الفضاء والرعاية الصحية والأمن وغيرها من الجوانب الاقتصادية، فضلًا عن التغييرات التي ستطال حياتنا. ولن تُقدّر خوارزمية من هذا النوع بثمن مهما كانت حصة المستثمرين منها، لكن بالنظر إلى الكيفية يمارس بها المستثمرون أعمالهم، قد لا يحوز هواة الذكاء الاصطناعي العام التمويل اللازم لابتكارهم، لذلك إن كان لهذا المشروع فرصة للتحقق على أرض الواقع، ينبغي أن يأتي تمويله من قطاع آخر هو القطاع الحكومي.

وصرح ماريان جازدك؛ وهو المدير التنفيذي للشركة الناشئة جرند يوروب «لا يمول المستثمرون مشروعًا إلا عندما يرون نهاية النفق، وما زالت النهاية بعيدة في الذكاء الاصطناعي.» ويرى ماريان أن الحكومات أجدر بالاستثمار في هذا القطاع عوضًا عن مستثمري القطاع الخاص. ولأنه صاحب رؤوس أموال استثمارية، لا يتجه ماريان نحو الاستثمار في شركات الذكاء الاصطناعي، بل يختار شركات بتقنيات مذهلة قادرة على حل مشاكل العالم الحقيقي.

شارك ماريان في ندوة «الاستثمار في الذكاء الاصطناعي العام» خلال مؤتمر الذكاء الاصطناعي على المستوى البشري، والذي عقد الأسبوع الماضي في العاصمة براغ، وبالإضافة إلى ماريان، شارك في الندوة خمسة مستثمرين في قطاع التقنية، فخلصوا إلى دافعين لإقناع أصحاب رؤوس الأموال الاستثمارية بالاستثمار في شركة ذكاء اصطناعي ناشئة، لكن لم يشجع أي منهما على الابتكارات الضخمة التي تحفز نهضة في الذكاء الاصطناعي العام.

شارك في الندوة تاك لو، وهو شريك استثماري في زيروث.إيه آي؛ والذي يمثل مسرع أعمال آسيوي يستثمر في الشركات الناشئة في الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة، وصرح تاك خلال الندوة «أبدي إعجابًا كبيرًا بالذكاء الاصطناعي العام من نواح ثقافية، لكني لا أراه مجديًا من نواح استثمارية.»

وتاك لو، كغيره من أصحاب رؤوس الأموال الاستثمارية الذين يركزون على شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة، يرى أن الربح الأكبر يكمن عادة في الشركات التي توفر نماذج تجارية ناجعة تستخدم الذكاء الاصطناعي في حل مشكلة كبرى، أو التي تحوز مجموعة بيانات قيّمة وضخمة لتدريب الخوارزميات.

وحاليًا يقف الذكاء الاصطناعي العام عاجزًا عن توفير عائد استثماري ضمن إطار زمني معقول، واتفق المشاركون خلال الندوة على فترة زمنية تتراوح من خمسة إلى عشرة أعوام، وهي الفترة التي يرغب أصحاب رؤوس الأموال الاستثمارية خلالها باسترجاع أموالهم والحصول على بعض العائدات الاستثمارية، وخلال الندوة، صرح جيكوب كوتوسكي وهو مدير في قسم الذكاء الاصطناعي في شركة إم إس دي جلوبال سوفتوير إنجنيرنج «ترى شركات كثيرة مثل جوجل وآي بي إم أن الغموض الذي يكتنف الذكاء الاصطناعي العام يفرض انتظارًا طويلًا عليها قبل رؤية أي عائدات.»

وفي مقابلات خاصة أجراها مرصد المستقبل مع خبراء خارج نطاق الندوة، منهم عالم أبحاث الذكاء الاصطناعي في شركة فيسبوك توماس مكلوف ورئيس قسم الروبوتات والذكاء الاصطناعي في الأمم المتحدة إيراكلي بيريدز، صرح الخبراء أن السعي وراء شكل حقيقي للذكاء الاصطناعي العام يشبه مطاردة حلم مستقبلي بعيد، لذلك لا يمكن اعتباره استثمارًا واعدًا.

وفي المحصلة، لا يمكن للقطاع الخاص أن يقودنا صوب مستقبل من الذكاء الاصطناعي العام، لذلك دعا المشاركون في الندوة الحكومات وأشكال أخرى من التمويل العام إلى الاطلاع بدور استثماري في هذا المجال، فأشاروا إلى أن حملة الأسهم والمستثمرين في التمويلات الحكومية لا يرتبطون بإطار زمني محدد، لكنهم يقدمون أموالًا ضخمة لتحقيق هذه المساعي النبيلة في سبيل الصالح العام.

وما إن تقدم الحكومة أموالًا كافية في هذه القطاع لإيجاد حلول على أرض الواقع، حتى تنقض الشركات الناشئة ومستثمري القطاع الخاص مختارة أكثر هذه الحلول فعالية، وهذا إن وجدت في الذكاء الاصطناعي العام هدفًا مجديًا قصير الأمد.

ولننظر مثلًا إلى السيارات الطائرة، تتنافس شركات مثل فولفو وأوبر وبوينج كي تكون أول من يطور سيارات طائرة خاصة، لكن هذه الشركات تستقبل دعمًا من شركائها الحكوميين في وكالة ناسا وجامعة كاليفورنيا في بيركيلي، ما يساعدها في تحقيق هذا الهدف على أرض الواقع.

وصرح ماريان «يتصرف المستثمرون كالخراف، فيتجهون إلى الاستثمار في مجالات يستثمر بها آخرون. ويظلون مترقبين حتى يخطو أحدهم أول خطوة عملاقة.»

«يتصرف المستثمرون كالخراف، فيتجهون إلى الاستثمار في مجالات يستثمر بها آخرون. ويظلون مترقبين حتى يخطو أحدهم أول خطوة عملاقة.»

وربما لا تقدم حكومة الولايات المتحدة الأمريكية تمويلًا كافيًا للذكاء الاصطناعي بما يكفل انخراط أفضل المنافسين في تطويره، علمًا بأن روسيا والصين تستثمران مبالغ كبيرة فيه، وتعتمدان على بنيتهما الفدرالية لتحقيق ذلك. أما في الولايات المتحدة الأمريكية، تتدفق نسبة كبيرة من الاستثمارات الحكومية إلى الجامعات التي تركز على الجوانب البحثية، فضلًا عن شراكاتها مع شركات التقنية العملاقة مثل فيسبوك وجوجل.

إذًا كيف يفترض بالحكومات أن تستثمر في الذكاء الاصطناعي العام للمساعدة في تحقيق هذه التقنية الثورية؟ لم يتمكن المشاركون بالدورة من الإتيان باقتراح عملي، لكنهم اقترحوا على نحو مبهم أنه ينبغي على الحكومات والشركات والأكاديميات مجتمعة «استخدام نقاط قوتها والتركيز على ما يجب فعله» ولم يفصّل أحدًا معنى ذلك الطرح بإسهاب، لكن تاك اقترح أن تركز الجهات الحكومية جهودها على دراسة حالة المجتمع في العقود المقبلة، وصياغة سياسة مناسبة ومعايير وبروتوكولات.

واقترح بعض المشاركون أن تضع الأجهزة الحكومية الأمريكية أموالها في أيدي المديرين من القطاع الخاص، كالمشاركين أنفسهم، لأنهم قد يستثمرون تلك الأموال بطريقة استراتيجية أكثر من البيروقراطيين، لكن علينا أن نأخذ هذا الاقتراح بشيء من الشك لأن فيه فائدة للمشاركين.

وكي يكتب لأي من هذا النجاح، يجب أن تجعل الحكومة الأمريكية تطوير أول نظام ذكاء اصطناعي عام في العالم هدفها الأساسي، وتخصص لأجله ميزانية كبيرة. وسيبقى هذا الذكاء بعيدًا عن متناول شركات التقنية، يلوح في الأفق بعيدًا عن الأطر الزمنية لأي استثمار تجاري.