خريطة لدرب التبانة

تستمر البشرية باستكشاف الفضاء على مختلف الأصعدة؛ فتخطط وكالات عدة لإرسال البشر إلى المريخ، وتستعد مركبة فضائية عمرها 20 عامًا تقريبًا للوصول إلى كوكب بعيد، ونحن قريبون جدًا من الدخول في عصر السياحة الفضائية. لكن الأنظار موجهة نحو بعثة فضائية قد تنهض بالجنس البشري: إنها «جايا».

وصلت المركبة الفضائية «جايا» - التي انطلقت في العام 2013- إلى منتصف مهمة مدتها خمسة أعوام لرسم خارطة لمجرة درب التبانة، ويتوقع براين كوبرلين، عالم الفيزياء الفلكية والمحاضر في معهد روتشستر للتقنية، أن يصل المرصد الفضائي التابع لوكالة الفضاء الأوروبية (إيسا) إلى اكتشافات علمية ضخمة. وقال كوبرلين لموقع فيوتشريزم «في العام القادم، أود أن أقول أن المركبة الفضائية «جايا» قد تفسح الطريق أمام أعظم تقدم للبشرية.»

وتبعد «جايا» عن الأرض حوالي 1.5 مليون كيلومتر بعكس اتجاه الشمس. ويبلغ قطر المركبة ثلاثة أمتار ونصف فحسب، لكن قطر مظلتها يزيد عن عشرة أمتار. وهي مجهزة بتلسكوبين يضمان مجموعة من عشر مرايا من مختلف الأشكال والأحجام، يتمتعان بدقة مليار بكسل، وأكبر مستوى بؤري في تاريخ المهمات الفضائية.

لكن ليست معدات «جايا» المتطورة هي ما يجعلها مميزة، بل الغرض منها؛ وهو جمع بيانات لإرسالها إلى الأرض ورسم أكبر خريطة ثلاثية الأبعاد لمجرتنا وأكثرها تفصيلًا. وستعمل المركبة خلال مهمتها على مسح 1% من نجوم درب التبانة. وقد لا يبدو ذلك كثيرًا حتى ننظر إلى عدد نجوم مجرتنا. وقال كوبرلين موضحًا حجم المشروع «سترسم «جايا» خارطة لمليار نجم في مجرتنا.»

اكتشافات جديدة في الأفق

وتكمن الأهمية الأساسية لعمليات الرصد التي ستجريها «جايا» في زيادة كبيرة في معرفتنا عن الأجرام المستهدفة؛ النجوم. ولن نتعلم المزيد عن النجوم التي تشبه شمسنا فحسب، بل سنتعلم أيضًا تفاصيل جديدة عن الأقزام البنية والمستعرات العظمى البعيدة والنجوم الزائفة (الكويزارات) الضخمة.

ولا يقتصر ما تقدمه «جايا» على التقاط صورة لهذه النجوم، بل سترصد كل نجم 70 مرة على مدى البعثة. وعبر مراقبة كل نجم مرارًا وتكرارًا، ستستطيع المركبة تسجيل التغيرات؛ كالزيادة في السطوع أو تعديل التموضع. ويقول كوبرلين «سيعطينا هذا فهمًا أفضل بكثير للديناميات النجمية في درب التبانة.»

وأثناء مراقبة هذه النجوم، ستكتشف «جايا» الأجرام الأخرى في المجرة أيضًا، مثل الكويكبات والأجسام الجليدية التي لم يسبق رصدها. وعبر تزويدنا بلمحة عن «البقعة العمياء» بين الأرض والشمس، ستحسن «جايا» أيضًا فهمنا لمجموعتنا الشمسية.

وقادتنا «جايا» بالفعل إلى العديد من الاكتشافات الجديدة، وستزدهر البحوث حالما ينشر جدول البيانات النهائي في أوائل العام 2020. وكما أوضح موقع وكالة الفضاء الأوروبية «ستجمع قواعد بيانات ضخمة من المعلومات من بيانات «جايا» ، ما يساعد علماء الفلك في البحث عن أجرام سماوية مشابهة، أو أحداث وارتباطات قد توفر فكرة ضرورية لحل ألغازها العلمية المستعصية.»

ويشير كوبرلين إلى واحدة من أكثر الاستخدامات المحتملة لقواعد البيانات هذه إدهاشًا بقوله «قد تستخدم البيانات أيضًا للعثور على كواكب خارج مجموعتنا الشمسية.» وسيقود اكتشاف كواكب خارجية إلى طرائق جديدة للبحث عن أشكال الحياة الفضائية أو حتى كوكب أرض ثانٍ.