باختصار
بعد ثورة الحاسوب الشخصي، والإنترنت ومن ثم الهاتف الشخصي، تمر التقنية حالياً بثورةٍ جديدة متسارعةٍ، حتى لو لم نشعر بها بشكل واضح. الذكاء الاصطناعي يصبح أقوى يوماً بعد يوم، ليساعدنا في أعمالنا وحتى حياتنا اليومية، إليكم نبذة قصيرة عنه.

أطلقت جوجل يوم الثلاثاء الماضي في مؤتمرها الأخير هاتفها الجديد بيكسيل، لكن ما المميز الأهم لهذا الهاتف؟ حسب ساندر بيتشي، المدير التنفيذي لشركة جوجل، الشركة البنت من ألفابيت، فإنّ أهم ما يميّز هاتفه الجديد هو "الذكاء الاصطناعي" الجديد، أو "مساعد جوجل الشخصي"، والذي يريد أن يجعله ساندر "جوجل" خاص بك وحدك.

في البداية كانت ثورة الحاسوب الشخصي في ثمانينات القرن الماضي، تبعتها ثورة الإنترنت في التسعينات، وأخيراً في القرن الجديد، بدأت الأجهزة المحمولة، الهواتف الذكية، تبدل عالمنا وتحوّله إلى قريةٍ صغيرةٍ جداً، ولهذا اتجهت كلّ الشركات نحو تطويرها في العقد الماضي.

لكن جاء عقد جديد، وحان موعد ثورةٍ تقنيّة جديدة، وعنوانها واضح جداً: "الذكاء الاصطناعي".

في 1997  حقق Deep Blue انتصاراً مدوياً على بطل الشطرنج العالمي المعروف: كسباروف، ومنذ ذلك الوقت بدأ الحماس والخوف يتزايدان معاً اتجاه الروبوتات والذكاء الاصطناعي.

وفي 2016 تغلب آلفا جو أربع مرات من أصل خمس على أحد أبطال العالم في اللعبة، لمن لا يعرف، لعبة جو هي لعبة صينية قديمة، وبعكس الشطرنج الذي تحمل فيه كل حركة 20 احتمالاً مختلفاً تقريباً، في لعبة جو تحمل كل حركة 200 احتمال على الأقل، ومع ذلك تمكّن آلفا جو المطوّر من جوجل من الفوز على الإنسان في هذه اللعبة.

كيف تعلّم ألفاجو اللعبة في البداية؟ هل درس قواعدها وكوّن استراتيجيات خاصة به؟

بالطبع لا، فهو مجرد "ذكاء" اصطناعي. قام ألفا بدراسة لعب البشر للعبة من خلال معالجة المعطيات المتوافرة لديه من آلاف المباريات، ودرس طريقة اختيار اللاعبين لحركاتهم وكذلك ردات فعل اللاعبين المختلفة، والأخطاء التي قد يرتكبها اللاعبون في المراحل المختلفة.

لقد درس ألفاجو أكثر من 30 مليون حركة قام بها لاعبون محترفون وتعلم كيفية التنبؤ بالحركة المقبلة، ألفاجو لم يُصمم ليقدّم طريقة اللعب المثلى، بل لتقديم "الحلّ" الأمثل، والفوز على الخصم.

الذكاء الاصطناعي: فيلسوفاً وكاتباً

لكن ما الهدف من "الذكاء الاصطناعي"؟ الهدف الأساسي من هذا النوع من الدراسات هو بالتأكيد الوصول لآلة "تفكّر" مثل البشر، تستطيع التعلّم مثلهم -أو ربما أفضل منهم- واستخدام القدرات اللغوية بشكلٍ سهل ومفهوم، وامتلاك القدرة على تشكيل سلسلة أفكار شخصيّة أصليّة، ولكن هذا الأمر ما زال بعيداً..نوعاً ما.

لتوضيح بعض المصطلحات في مجال الذكاء الاصطناعي يمكنك مشاهدة الفيديو التالي:

ولكن عندما تقرأ محادثةً كالتالي:

المتحدث الأول: أين أنت الآن؟
المتحدث الثاني: في مكان ما.
المتحدث الأول: ما هو الهدف من امتلاك الذكاء؟

المتحدث الثاني: أن تستطيع إدراكه.
المتحدث الأول: ما فائدة المشاعر؟
المتحدث الثاني: لا أدري.

المحادثة السابقة جرت بين إنسان وآلة طوّرتها جوجل أيضاً، وذلك باستخدام الشبكات العصبية، وهي نوع من الشبكات الإلكترونية التي تقلّد الخلايا العصبية في أدمغتنا وطريقة اتصال هذه الخلايا مع بعضها البعض. هذه الفكرة قديمة بعض الشيء، لكنها لم تجرب بشكلٍ كبير إلا مؤخراً في هذا العقد، من قبل الشركات الكبيرة التي تملك القدرة على صناعة هذه الشبكات، مثل جوجل وفيسبوك ومايكروسوفت.

اليوم الذي كتب فيه حاسوب روايةً، أخيراً وضع الحاسوب أولوياته أولاً لتحقيق سعادته، وتوقف عن العمل للبشر.

قد تبدو الجملة السابقة من فيلم خيال علمي، لكن للأسف، هذه الكلمات من رواية قصيرة شارك في كتابتها ذكاء اصطناعي! فقد تعاون هيتوشي ماتسوبارا وذكاء اصطناعي معاً لكتابة هذه الرواية، وقد اختار هيتوشي الجمل والكلمات ووضع معايير محددة لينطلق الذكاء الاصطناعي مستخدماً هذه الكلمات والمعايير لتقديم رواية "اليوم الذي يكتب فيه الحاسوب رواية".

يوماً بعد يوم يقوم الذكاء الاصطناعي بالحصول على وظائف أكبر، وينافس البشر في فرص العمل، لكن هل من الممكن أن ينافسنا حتى في مجال الإبداع والفن؟

الخوف من الذكاء الاصطناعي

إيلون ماسك، ستيفين هوكينج والذكاء الاصطناعي! المصدر: CBC
إيلون ماسك، ستيفين هوكينج والذكاء الاصطناعي!
المصدر: CBC

وّقع ستيفن هوكينج، وإيلون ماسك وستيف وازنياك -ثلاثة من أذكى البشر في مجال التقنية والعلوم- على رسالة مفتوحة في 28 يوليو الماضي، محذرين فيها من خطورة استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير الأسلحة، وأوجبوا فرض منع هذا السباق قبل حصوله أصلاً، لأنّه سوف يتسبب بشكل أو بآخر بإبادة البشرية جمعاء، وسيكون خطرها أكبر من خطر السلاح النووي.

لكن قامت العديد من المنظمات والجامعات بتقديم حل بديل، فقد أطلقت جامعة كاليفورنيا في بركلي مركزاً للذكاء الاصطناعي المتوافق مع البشر، والذي يهدف لضمان مساعدة الذكاء الاصطناعي مستقبلاً للبشرية.
وقد أعلنت الشركات الخمسة الكبرى: جوجل، أمازون، فيسبوك، أي بي إم ومايكروسوفت عن التعاون المشترك فيما بينها في مجال الذكاء الاصطناعي، لضمان عمله في مصلحة البشر والمجتمع، وكوّنوا مجلسٍ مؤلفاً من 10 أعضاء. ورغم التنافس الشديد بين هذه الشركات إلا أنها  أقرت بضرورة تطوير تقنية الذكاء الاصطناعي لخدمة البشرية وتحسين نوعية حياتهم، واستخدامه في معالجة التحديات العالمية الكبرى كالتغير المناخي والفقر والمجاعات والصحة والتعليم.

الحل الأمثل: خطوة استباقية

يعتقد العبقري إيلون ماسك، الذي يريد أخذنا إلى المريخ، أنه يجب علينا أن نتقبل الذكاء الاصطناعي وتطوّره، وكي نحمي أنفسنا من الخطر المحدق، يجب علينا أن نقوم بخطوة استباقية ، وذلك بتطوير شريط عصبي، يمكن بواسطته أن نزيد القدرات العقلية للبشر، وذلك من خلال التفاعل مع الرقاقات الحاسوبية الموجودة فيه والاتصال بشبكة الانترنت، لنستطيع مواجه الذكاء الاصطناعي، عقلياً على الأقل.

هل للذكاء الاصطناعي حقوق بشرية؟

يطرح ماركوس دو سوتوي، عالم الرياضيات من جامعة أوكسفورد، تساؤلاً خطيراً: هل يجب منح الذكاء الاصطناعي حمايةً قانونية وأخلاقية كالبشر؟

فحسب دو سوتوي، سيظهر هذا الذكاء الصنعي الوعي يوماً ما، وفي تلك الحالة سيكون مشابهاً لنا، البشر، ويجب علينا منحه حقوقاً مساويةً لحقوقنا، فهو يؤكد على عدم صحة التفرقة والتمييز بين "الأشخاص"، مهما كان شكلهم، سواء كانوا "عضويين" أو "اصطناعيين".
ولكن أعتقد أنّ السؤال الأهم هنا: هل سيمتلك الذكاء الاصطناعي "وعياً" خاصاً به؟

للأسف ذلك يعتمد على تعريف الوعي، والذي ما زال البشر يجدون صعوبةً كبيرة في تعريفه، على الأقل حتى الآن.

جائزة الإمارات للذكاء الاصطناعي

باتريك ماير- وي روبوتيكس
باتريك ماير- وي روبوتيكس

دعمت دولة الإمارات العربية الأبحاث والمشاريع المختلفة في مجال الروبوت والذكاء الاصطناعي، وأطلقت جائزة الذكاء الاصطناعي لخدمة الإنسان، والتي تسعى فيها الدولة من خلال مؤسسة المستقبل إلى التعاون مع شركات عالمية لإيجاد تطبيقات عملية تخدم الإنسان، بالإضافة إلى تكريم الجهود والعقول المبدعة في هذه المجالات المميزة.

ومن ثم، فقد تم الإعلان عن التعاون بين مؤسسة دبي للمستقبل وشركة وي روبوتيكس العالمية، لدعم الحلول وتطوير المشاريع في مجال الذكاء الاصطناعي والروبوت في عدد من الدول حول العالم، بإيجاد شبكة عالمية من مختبرات الابتكار، التي ستفسح المجال لاستخدام الروبوت بأمان ومسؤولية.

في مؤتمر جوجل، عرض أحد المقدمين تجربة من جهاز Google Home لتطبيق يُسمى My Day، وهو تطبيق معد للاستخدام مع قهوة الصباح، حيث يقوم هذا التطبيق بإعلامك بالساعة والوقت المطلوب للوصول للعمل، ويُذكرك بأهم المواعيد في مفكرتك، ويقترح عليك الطريق الأفضل والأسرع لأداء المهام المختلفة.

هل هذا مستقبل الذكاء الاصطناعي؟ ربما، وربما يكون مساعد جوجل الشخصي بدايةً جديدةً وتحدياً للشركات الأخرى، كي نصل إلى ذكاء اصطناعي يستطيع فهم أفكارنا، وربما مشاعرنا حتى.

لمعرفة المزيد عن المصطلحات الأساسية في الذكاء الاصطناعي يمكنكم متابعة الفيديو التالي: