يثير تحيز الذكاء الاصطناعي قلق المتخصصين والخبراء حول العالم، بعد أن شهدنا خوارزميات عنصرية أو ضد المرأة بالإضافة لسلبيات أخرى، لكن الأكثر إزعاجًا أن يصل الأمر إلى التخوف من استمرار الذكاء الاصطناعي في تعلم التعصب بمفرده حتى لو أزلنا التحيز البشري بالكامل من بياناته.

ويُعرف تحيز الذكاء الاصطناعي بالانحياز الخوارزمي، ويحدث عندما يُغذى ببيانات مغلوطة تعكس انحياز المجتمع وأحكامه المسبقة.

روبوتات سيئة

وازدادت وتيرة القلق مع تغلغل الذكاء الاصطناعي في كثير من تفاصيل حياتنا، وسيرنا الحثيث نحو مستقبل ينتشر فيه الذكاء الاصطناعي في كل مكان. إلا أن توجه جوجل؛ الشركة الرائدة في مجال تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى إضافة دروس لتعليم الذكاء الاصطناعي الإنصاف والنزاهة إلى دوراتها التعليمية المكثفة حول التعلم العميق للآلات، يشكل بارقة أمل تتصدى للتحيز والعنصرية.

بيانات ملوثة

والتعلم العميق للآلات هو فرع من فروع الذكاء الاصطناعي، يعتمد على تدريب الخوارزميات باستخدام مجموعات من البيانات، وهو عرضة لقضايا الانحياز، بسبب تأثر البيانات بالبشر بطريقة أو بأخرى؛ ومثال ذلك أن تتضمن مجموعة بيانات حول الاعتقالات، تحيزًا عرقيًا قائمًا على معتقدات ضباط الاعتقال.

وأطلقت جوجل منذ أعوام عدة، دورة تعلم الآلة إم إل سي سي لتكون جزءًا من برنامج تدريبي داخلي لمهندسيها على مدى يومَين، وأتاحت الدورة للجميع عبر الإنترنت في فبراير/شباط الماضي. وأضافت الشركة وحدة تدريبية جديدة إلى الدورة يوم الخميس الماضي، ركزت فيها هذه المرة على الإنصاف عند بناء ذكاء اصطناعي.

ونشرت جوجل مدونة حول الموضوع جاء فيها أن الطلاب سيتمكنون بعد إنهاء 60 دقيقة مخصصة لوحدة الإنصاف، من معرفة أنواع التحيزات البشرية التي يمكن أن تظهر في نماذج تعلم الآلة، ومعرفة ما سيبحثون عنه في البيانات لدى الكشف عن تحيز بشري، ومعرفة طريقة تقييم توقعات نموذج تعلم الآلة للكشف عن التحيز.

التعلم العميق للآلات

ولطالما كانت احتمالية تطوير الذكاء الاصطناعي لآليات تفكير خاصة للوصول إلى مراحل متقدمة تشابه البشر مثار جدل في أوساط العلماء والفلاسفة وعدها كثيرون ضربًا من شطحات الخيال العلمي لنصل في عصرنا الراهن إلى إرهاصات أولى لهذا التوجه الجديد للآلات.

ويتطلب التعلم العميق للآلات بنية معقدة تحاكي الشبكات العصبونية للدماغ البشري، بهدف فهم الأنماط، حتى مع وجود ضجيج، وتفاصيل مفقودة، وغيرها من مصادر التشويش. ويحتاج التعليم العميق للآلات، كمية كبيرة من البيانات وقدرات حسابية هائلة، توسع قدرات الذكاء الاصطناعي للوصول إلى التفكير المنطقي، ويكمن ذلك في البرنامج ذاته؛ فهو يشبه كثيرًا عقل طفل صغير غير مكتمل، ولكن مرونته لا حدود لها.

محاربة الانحياز

وكشفت دراسات سابقة وجود تحيز بات واضحًا لدى الذكاء الاصطناعي، وانضمت شركة مايكروسوفت حديثًا لكوكبة من الشركاتٍ تحاول إيجاد حلول لهذه المعضلة؛ ومنها شركة آي بي إم و شركة برايمر وفيسبوك، من خلال تطوير أداة تكشف خوارزميات ذكاء اصطناعي تعامل الناس وفقًا لعرقهم أو جنسهم.

وابتكرت مايكروسوفت خوارزمية جديدة تحدد الخوارزميات المنحازة وتكتشف مواطن الفشل فيها، غير أن ذلك لا يشكل حلًا نهائيًا للمشكلة، إذ يقتصر دور الخوارزمية على اكتشاف الخوارزميات المتحيزة عوضًا عن وضع حد لها، وما من رادع يمنع الناس من تطوير البرامج المنحازة واستخدامها.

وتطرح بعض الدراسات حلولًا قابلة للتطبيق؛ تتمثل بتعيين مدققين لمراجعة الشيفرات الحاسوبية، أو تقديم تدريب أفضل لمطوري الذكاء الاصطناعي، ليصبحوا أقدر على كشف انحيازهم وآرائهم، ما يمنعهم من تحويل تلك الآراء إلى حقائق ثابتة في خوارزمياتهم.

وعلى الرغم من انتشار الانحياز الخوارزمي، إلا أن هذا لا يعني أن المبرمجين عاكفون على برمجة آلات عنصرية، بل إن السبب يكمن في الانحيازات الضمنية المتأصلة بنا جميعًا، وقد تساعد التدريبات المطورين على تمييز آرائهم الشخصية، ما يحقق عالمًا تقنيًا أكثر حيادية.