أتظن أن بيننا وبين تقنيات التعزيز البشري دهرًا؟ أعِد النظر إذن.

قبل انعقاد «القمة العالمية للحكومات» في دبي هذا الأسبوع، اجتمع قادة الحكومات مع الخبراء والمبتكرين من أجل النظر في مستقبل الذكاء الاصطناعي؛ وجذب هذا الاجتماع بعض أشهر المَعنيِّين بمجال الذكاء الاصطناعي، إذ حضره مندوبون من «معهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات» و«جمعية النهوض بالذكاء الاصطناعي» و«منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» والأمم المتحدة، ومديرون من آي بي إم واطسون ومايكروسوفت وفيسبوك وأوبِن إيه آي ونِيست ودرايف إيه آي وأمازون إيه آي، ومسؤولون حكوميون من إيطاليا وفرنسا وإستونيا وكندا وروسيا وسنغافورة وأستراليا ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ والقائمة تطول.

وحصل مرصد المستقبل على إذن حصري بحضور هذا الاجتماع المغلق الذي أشرفت عليه مبادرة الذكاء الاصطناعي التي أطلقتها مؤسسة «مجتمع المستقبل» التابعة لكلّية كينيدي بجامعة هارفارد، بمشاركة معالي عمر بن سلطان العلماء، وزير الذكاء الاصطناعي في دولة الإمارات.

وتطرق الحضور إلى كل شيء متعلق بهذا الموضوع، من الوقت الذي سيستغرقه تطوير ذكاء اصطناعي ذي وعي، إلى الكيفية التي تنتهك بها الخوارزميات خصوصيتنا؛ ومن أهم المسائل التي تناقشوا فيها: ما النهج الذي ينبغي انتهاجه الآن في استخدام الذكاء الاصطناعي ليعود على البشرية بأعظم النفع؟

وكانت إجابة الحضور: تعزيز البشر.

معزَّزون بالفعل

إننا نستخدم الذكاء الاصطناعي منذ فترة طويلة في تعزيز نشاطنا وزيادة أعمالنا. في البداية قد ترى في هذا القول جرأة تصرفك عن تصديقه، لكن تناول هاتفك وافتح «فيسبوك» أو غيره من تطبيقات التواصل الاجتماعي، وستجده قائمًا على ذكاء اصطناعي يعمل بلا هوادة، فيفرز لك ما يهمك من الصور والأخبار والإعلانات؛ وحين تُدخل في محركات البحث مُدخَلًا، تعمل تلك المحركات بطريقة شبيهة: يفحص ذكاء اصطناعي مُدخلاتك ليجلب لك ما تبحث عنه.

وليس استخدامه مقصورًا على العالم الرقمي. انظر إلى شركة لُو جيكس المعنية بالتقنيات القانونية، فهي تستخدم خوارزميات ذكية لتراجع لها العقود تلقائيًّا، ولا ريب أن أَتْمتة الأعمال الورقية حفظت للعملاء بعض أموالهم، والأهم أنها وفرت على المحامين هدر أوقاتهم؛ وكما قال أحد الحضور «لا يلتحق أحد بكلية الحقوق لقصقصة الوثائق التنظيمية ولصق أجزائها.»

وفي الطب صار للذكاء الاصطناعي تطبيقات لا تقدر بثمن، سواء في التوثيق والمهمات الإدارية، أو في العلاج والعمليات الجراحية؛ هذه أمثلة على الكيفية التي نستخدم بها الذكاء الاصطناعي حاليًّا لزيادة معارفنا وتعزيز قدرتنا على البحث عن أجوبة، وتحسين حياتنا وطرائق عملنا.

حان وقت الإسراع

عادة ما يذهب الخيال بالناس بعيدًا وهم يفكرون في تعزيز البشر بالذكاء الاصطناعي، فتقفز عقولهم إلى سيناريوهات الخيال العلمي العتيقة، كعمليات الزرع الدماغي التي تنقل البشر إلى درجة أعلى في سلّم التطور، أو السماعات التي تترجم اللغات فوريًّا؛ لكننا في غمرة تحمُّسنا لاستكشاف إمكانيات أي تقنية جديدة نغفل عادةً عن التفكير في نهاية السبيل الذي تجعلنا هذه التقنية نسلكه.

جميل أن نتخيل الأشياء التي قد توفرها لنا أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة، لكن ليس لنا أن نتجاهل القيمة الحقيقية للأنظمة التي بين أيدينا بالفعل، فهذه الأنظمة التي تبدو لنا عادية يسعها -إن استوعبنا قيمتها- أن تريحنا من مشقات كثيرة، وأن توفر لنا وقتًا كبيرًا لنصرفه فيما نراه مهمًّا.

تخيل إدارة مرور بلا طوابير، أو أن تدفع رسومك في ثوان. تحقيق هذه الرؤية بين أيدينا، ويريد قادة العالم تسريع خطواتنا إليه في الشهور والأعوام المقبلة؛ وفي مؤتمر دبي المقام حاليًا تباحث الحضور بما ينبغي للحكومات فعله لبلوغ هذا الهدف بسرعة.

لكن الحضور ذهب إلى أن الحكومات قبل أن تبدأ تعزيز البشر -سواء بعدسات لاصقة ذكية تراقب مستويات الجلوكوز، أو استبدال موظفي الاستقبال الحكوميين بالذكاء الاصطناعي- يتعين عليها أن تعلم مدى استعداد بلدها ومكانها الحالي بالنسبة لذلك الهدف، فكما قال أحدهم «أهم شيء على كل حكومة فعله أن تكون على علم بمكانها الحالي في مسار هذه الرحلة.»

من المرجح أن تُحَث جميع الدول على فعل هذا في الأسابيع والشهور المقبلة، وحين تدرك كل دولة مكانها الحالي في ذلك السبيل، ستشارك غيرها بما توصلت إليه من نتائج، لتساعد الدول المتخلفة عنها على التقدم، وتتعلم من الدول التي سبقتها؛ وهذا سيؤدي إلى رسم خريطة أفضل تسهِّل للدول التقدم.