لا يتشارك جميع البشر النظرة الحالمة ذاتها لمستقبل الذكاء الاصطناعي إذ بدأت لدى الناس في الآونة الأخيرة مخاوف من مستقبل التعلم العميق للآلات وتطويرها لتقنيات التعلم الذاتي وقدرات الذكاء الاصطناعي التي قد تصل مستقبلًا إلى مراحل أكثر تقدمًا من أي شيء نعرفه اليوم.

أي مستقبل ينتظرنا؟

خوارزميات متطورة جدًا، يدفعنا حدسنا البشري إلى أخذ الحيطة من وقوعها في الأيدي الخاطئة، أو من تمكنها بشكل ذاتي من السيطرة على حكومات العالم وجيوشه. ولطالما كانت احتمالية تطوير الذكاء الاصطناعي لآليات تفكير خاصة للوصول إلى مراحل متقدمة تلامس الشعور البشري مثار جدل في أوساط العلماء والفلاسفة وعدها كثيرون ضربًا من شطحات الخيال العلمي لنصل في عصرنا الراهن إلى إرهاصات أولى لهذا التوجه الجديد للآلات.

ومما يبث الرعب لدى البشر، وصول الذكاء الاصطناعي إلى قدرات غير مسبوقة من السيطرة والتلاعب بالمجتمعات، وبلوغه مستويات أورويلية من المراقبة (نسبة لجورج أورويل مؤلف رواية 1984 الديستوبية التي تتحدث عن ديكتاتورية مستقبلية تتحكم بمصير البشر) قادرة على إدارة ساحات المعارك بأسلحة فتاكة مستقلة ومنها الطائرات العسكرية دون طيار.

وسبق أن حذر عالم الفيزياء الأمريكي ميتشو كاكو من خطر الطائرات العسكرية دون طيار؛ قائلًا «لدينا طائرات تطير دون طيار ويشرف عليها الإنسان عن بعد؛ فيأمرها بقتل الهدف. وفي المستقبل ستتعرف تلك الطائرات على هيئة البشر وسيكون معها إذن بقتل الهدف، لكن قد يعتريها خلل -وليس هذا باحتمال بعيد- فتستمر في إطلاق النار على البشر دون توجيهات. يجب أن نهتم بأمر آلات القتل التلقائية في يومنا هذا، لا في المستقبل.»

التعلم العميق للآلات

ويتطلب التعلم العميق للآلات بنية معقدة تحاكي الشبكات العصبونية للدماغ البشري، بهدف فهم الأنماط، حتى مع وجود ضجيج، وتفاصيل مفقودة، وغيرها من مصادر التشويش. ويحتاج التعليم العميق للآلات، كمية كبيرة من البيانات وقدرات حسابية هائلة، توسع قدرات الذكاء الاصطناعي للوصول إلى التفكير المنطقي، ويكمن ذلك في البرنامج ذاته؛ فهو يشبه كثيرًا عقل طفل صغير غير مكتمل، ولكن مرونته لا حدود لها.

تفاؤل

إلا أن بعض خبراء الذكاء الاصطناعي لا يرون مبررًا لتلك المخاوف، معبرين عن تفاؤلهم بمستقبل يأخذ فيه الذكاء الاصطناعي المتقدم حيزًا مهمًا من تنظيم حياة البشر وإدارتها بشكل أفضل منا، مؤكدين على أن المخاوف من شأنها أن تكون الخطر الحقيقي بذاتها، فهي تعيق تحويل إمكانيات الذكاء الاصطناعي اللا محدودة إلى حقيقة تخدم البشرية.

وأشار عالم أبحاث الذكاء الاصطناعي في شركة فيسبوك، توماس ميكولوف إلى أن «عدم نجاح الذكاء الاصطناعي قد يكون هو الخطر الحقيقي على البشرية.»

وقال ميكولوف خلال كلمته في مؤتمر حول مجاراة الذكاء الاصطناعي للإنسان، انعقد في العاصمة التشيكية براغ، السبت الماضي، إن «صنف البشر فظيع جدًا في اتخاذ الخيارات الجيدة لنا على المدى الطويل. لقد أزال الناس الغابات المطيرة والنظم البيئية الأخرى لأجل المواد الخام دون مبالاة بإسهام ذلك في تدهور الكوكب ببطء لا رجعة فيه، ولكن نظام ذكاء اصطناعي متطور قد يتمكن من حماية البشرية من قصر نظرها.»

وأضاف «نحن البشر سيئون جدًا في التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور في المستقبل البعيد، بعد عقدين أو ثلاثة، وابتكار ذكاء اصطناعي أذكى بكثير من نماذجنا الحالية قد يساعدنا في تجنب بعض الكوارث المستقبلية.»

إشكاليات أخلاقية

لكن نظرة ميكولوف ليست السائدة، إذ يغلب التفكير المتشائم على شريحة واسعة من المتخصصين، وخلال المؤتمر لم يخفِ كثير منهم مخاوفهم الرائجة حول تطوير الذكاء الاصطناعي في مجالات خطرة أو إساءة أشخاص أشرار لاستخدامه، مؤكدين على أن تلك المخاوف مشروعة ولا ينبغي الاستهزاء والاستخفاف بها.

ولسنا متيقنين بعد من إمكانية إنشاء ذكاء اصطناعي عام قادر على أداء أي مهمة إدراكية يستطيع البشر القيام بها ببراعة أو ربما بشكل أفضل.

وعلى الرغم من المستقبل الواعد للذكاء الاصطناعي المتقدم، إلا أنه يظل مقرونًا بجملة من الإشكاليات والأسئلة الأخلاقية، وربما لا نعرف جميع الأسئلة التي يجب الإجابة عنها حتى الآن.

ضمانات مستقبلية

إلا أن معظم المتحدثين في المؤتمر اتفقوا على حاجتنا لاتخاذ قرار بشأن قواعد وآليات التعاطي مع الذكاء الاصطناعي قبل أن نصل إلى مرحلة الحاجة الحقيقية لتلك القواعد. وأكدوا على ضرورة وضع إجابات عن مجموعة من الأسئلة الملحة، حول وقت إنشاء اتفاقات دولية ومجالس أخلاقية وهيئات تنظيمية في الحكومات والشركات الخاصة والأوساط الأكاديمية.

وأشار المشاركون إلى أن وضع الاتفاقيات والبروتوكولات موضع التنفيذ من شأنه أن يقلل فرصة قيام حكومة معادية، أو باحث غير متعمد، أو حتى عالم مختل، بإطلاق العنان لنظام ذكاء اصطناعي ضار، أو تسليح خوارزميات متقدمة. وإذا حصل أمر سيئ، فستضمن الأنظمة أن يكون لدينا طرق للتعامل معه.

ومع وجود القواعد والضمانات، سنكون أقرب للدخول في أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة تعيش معنا بوئام، أو ربما تنقذنا من أنفسنا مستقبلًا.