باختصار
اكتشف علماء الفلك مجرة عمرها 12.8 مليار عام باستخدام التلسكوب المليمتري الكبير في المكسيك. وهذا يعني أنها كانت إحدى أولى المجرات التي تشكلت بعد نشوء الكون.

رؤية الماضي

كوننا هائل الحجم، ولهذا يقول علماء الفلك أننا ننظر إلى الماضي، فالضوء الذي يصل إلى التلسكوب من نجم يبعد مليون سنة ضوئية يستغرق مليون عام للوصول إلى الأرض، فيشاهد الفلكي هذا النجم كما كان قبل مليون عام. وأعلن علماء فلك من جامعة ماساتشوستس أميرست والمعهد الوطني للفيزياء الفلكية والبصريات والإلكترونيات في المكسيك، أنهم استخدموا تلسكوبًا جديدا للعودة بنظرنا إلى الماضي أكثر من أي تلسكوب سابق؛ حتى قبل 12.8 مليار عام تحديدًا، إلى المجرة الغبارية التي نشأت بعد ما يعتقد أنه الانفجار العظيم بفترة قليلة.

وقال مين يون، عالم الفيزياء الفلكية في جامعة ماساتشوستس أميرست، وأحد أهم خبراء جمع البيانات عن الأجرام الكونية البعيدة، في بيان صحفي «حدث الانفجار العظيم منذ 13.7 مليار عام، ونرى اليوم هذه المجرة كما كانت منذ 12.8 مليار عام، أي إنها تشكلت خلال أول مليار عام بعد الانفجار العظيم.»

التلسكوب المليمتري الكبير. حقوق الصورة: جامعة ماساتشوستس أميرست
التلسكوب المليمتري الكبير. حقوق الصورة: جامعة ماساتشوستس أميرست

رصد فريق يون المجرة البعيدة باستخدام التلسكوب المليمتري الكبير، الذي يقع على قمة سييرا نيجرا في المكسيك، وهو بركان خامد بارتفاع 4600 متر تقريبًا عن سطح البحر. ويبدأ تشغيل التلسكوب بصورة كاملة هذا الشتاء، ليصبح الأداة الأكثر حساسية من نوعها في العالم.

ويعتقد علماء الفيزياء الفلكية أن الكون كان حارًا جدًا ومتجانسًا لدرجة لا تتيح تكون أي شيء في أول 400 مليون عام من وجوده، وأن النجوم والمجرات الأولى بدأت بالتشكل ما بين 500 مليون ومليار عام بعد الانفجار العظيم. وقال يون «قد تكون هذه إحدى أولى المجرات المتشكلة على الإطلاق.»

عين على السماء

اكتشفت هذه المجرة البعيدة للمرة الأولى باستخدام تلسكوب هيرشل الفضائي التابع لناسا، وهو تلسكوب الأشعة تحت الحمراء الفضائي الذي أوقف عن العمل في العام 2013. وكانت المجرة بعيدة لدرجة أن التلسكوب لم ينتج سوى صورة ضبابية عنها، لذلك مرر الفلكيون المشروع إلى فريق التلسكوب المليمتري الكبير. وأصبح خورخي زافالا، والذي كان طالب دراسات عليا يعمل ضمن فريق التلسكوب المليمتري الكبير في ذلك الوقت، أول مؤلف لورقة جديدة عن الاكتشاف، والتي نشرت في مجلة نيتشر آسترونومي.

واستطاع فريق زافالا ويون قياس بعد المجرة عبر قياس انزياحها نحو الأحمر، أي درجة تحول الضوء نحو الطرف الأحمر للطيف. ويعود هذا التحول إلى توسع الكون، ويستخدم لتحديد سرعة ابتعاد الأجرام عن المراقب وبعدها عنه.

وقال يون فى البيان الصحفي « تشبه هذه الأجرام البعيدة جدًا ذات الانزياحات الحمراء القوية الوحوش الأسطورية في الفيزياء الفلكية. ولطالما علمنا بوجود بعض تلك الأجرام الكبيرة والساطعة، لكنها غير مرئية ضمن طيف الضوء المرئي لأنها محجوبة بغيوم الغبار الكثيفة التي تحيط بنجومها الشابة.»

وقد تتيح دقة التلسكوب المليمتري الكبير وحساسيته الشديدة عند تشغيله بصورة كاملة العثور على أجرام وظواهر أقل سطوعًا وأبعد أيضًا. ولا ريب أن الفلكيين مثل يون متحمسون لرؤية إمكانات التلسكوب الجديد.

وقال يون «قد توجد أجرام كثيرة مشابهة لم نتمكن من رؤيتها سابقًا، لكن التلسكوب المليمتري الكبير قد يتيح رؤيتها. ولدي أمل دائمًا بأن ذلك سيحدث، وأنا متفائل جدًا بتحقيق مرادنا هذه المرة.»