باختصار
للمرة الأولى، رصد العلماء الحقل المغناطيسي لمجرة تبعد خمسة مليارات سنة ضوئية، ما منحهم معلومات قيمة عن تشكل المغناطيسية وتطورها في الكون. ويعتقد الباحثون اليوم أن كل جرم سماوي تقريبًا مغناطيسي.

مغانط كونية

لاحظ علماء الفلك أن لمجرة تبعد خمسة مليارات سنة ضوئية حقلًا مغناطيسيًا مشابهًا جدًا لحقل درب التبانة. ولم نشهد حقلًا مغناطيسيًا متماسكًا في مجرة بعيدة كهذه من قبل، ويوفر هذا الاكتشاف معلومات مهمة عن تشكل المغناطيسية في الكون وتطورها.

ولأن هذه المجرة تبعد خمسة مليارات سنة ضوئية عن درب التبانة، فهي أيضًا أصغر بخمسة مليارات سنة. وبملاحظة أن لها حقلًا مغناطيسيًا مشابهًا في التكوين والقوة لحقل مجرتنا، يقدم هؤلاء الباحثون أدلة على أن الحقول المغناطيسية المجرية تتشكل خلال المراحل الأولى من حياة المجرة، وتتمتع بعدها باستقرار نسبي.

وقال البروفيسور برايان جينسلر، المؤلف المشارك للدراسة، من معهد دونلاب لعلم الفلك والفيزياء الفلكية بجامعة تورونتو «هذا يعني أن المغناطيسية تتولد في وقت مبكر جدًا من حياة المجرة بواسطة عمليات طبيعية، وبالتالي فكل جرم سماوي مغناطيسي تقريبًا، ما يعني أننا بحاجة إلى فهم المغناطيسية لفهم الكون.»

ولدراسة كيفية تطور الحقول المغناطيسية للمجرات، يحتاج الباحثون إلى مراقبة مجرات تبعد مسافات مختلفة من الأرض، لأن ذلك الرصد يوفر لهم تلقائيًا بيانات عن مجرات ذات أعمار مختلفة. لكننا لا نعرف طريقة لمراقبة الحقول المغناطيسية مباشرة، ما يعني أن عمليات الرصد هذه ليست سهلة.

ولذلك، يبحث العلماء بدلًا من ذلك عن تأثير فاراداي؛ الأثر الذي تخلفه الحقول المغناطيسية على الضوء الذي يمر عبرها. وفي هذه الحالة، جعل نجم زائف (كويزار) على الجانب الآخر من المجرة هذا الرصد ممكنًا، بمرور ضوئه عبر الحقل المغناطيسي للمجرة قيد الدراسة.

أسرار المغناطيسية

توجد المغناطيسية في كل أنحاء الكون، فالسديمات الغازية والكواكب والنجوم والمجرات كلها مغناطيسية، وحتى الكون ذاته مغناطيسي. وعندما يكون جسم صلب كالأرض مغناطيسيًا، فهذا يعني أن مركز الجسم يعمل كمغناطيس ضخم بقطبين.

لكن الحقول المغناطيسية الكبيرة للمجرات بأكملها، مثل درب التبانة، غير مفهومة بالكامل؛ فهي لا تعمل بواسطة نواة تنقل التيار، بل بعدد لا يحصى من الإلكترونات العائمة عبر الفضاء. ولذلك، فمغناطيسة مجرتنا أضعف بملايين المرات من مغناطيسية الأرض، وليس لها قطبان متعاكسان فحسب كباقي المغانط. وبدلًا من ذلك، تحوي مناطق مختلفة في المجرة أقطابًا خاصة بها.

أكثر الأجرام سطوعًا (أعلى اليمين وأدنى اليسار) هو الكويزار. والقسم الباهت بين الاثنين هو المجرة التي اكتشف فيها الحقل المغناطيسي. حقوق الصورة: ناسا
أكثر الأجرام سطوعًا (أعلى اليمين وأدنى اليسار) هو الكويزار. والقسم الباهت بين الاثنين هو المجرة التي اكتشف فيها الحقل المغناطيسي. حقوق الصورة: ناسا

وقال جينسلر في البيان «لا أحد يعرف من أين تأتي المغناطيسية الكونية أو كيف نشأت. لكننا حصلنا اليوم على دليل مهم لحل هذا اللغز باستخراج السجل الأحفوري للمغناطيسية في مجرة نراها كما كانت منذ مليارات السنين.»

وما قاله جينسلر صحيح، فنحن لا نعرف الكثير عن المغناطيسية الكونية، لكن ما نعرفه يسلط الضوء على أهميتها. فالمغناطيسية ضرورية جدًا لتشكل نجوم مثل شمسنا، ومغناطيسية الأرض تحمينا من الإشعاعات الضارة. وتولد المغناطيسية في الفضاء أيضًا جسيمات عالية الطاقة والسرعة تسبب طفرات وراثية عشوائية على الأرض، دافعةً بذلك عملية التطور. وبعبارة أخرى، تشكل المغناطيسية الحياة والكون كما نعرفهما.