باختصار
  • اكتشف باحثون دليلاً على أن قوانين الفيزياء مختلفة بين المادة والمادة المضادة، ما يتناقض مع النموذج المعياري لفيزياء الجسيمات.
  • يقودنا التأكد من هذا الاكتشاف، إلى إعادة تقييم فهمنا للعالم الفيزيائي كاملاَ.

سؤال بلا جواب

يساعدنا المجلس الأوروبي للأبحاث النووية «سيرن» في فهم مكونات نسيج الكون، ففي هذه المؤسسة التي تعمل من سويسرا، يستخدم المهندسون والفيزيائيون مسرّعات وكواشف الجسيمات للحصول على معلومات عن الخواص الأساسية للمادة وقوانين الطبيعة. ويحتمل أن علماء سيرن عثروا اليوم على إجابة عن أحد أكثر الألغاز أهمية في النموذج المعياري للفيزياء، ونُشر هذا البحث في مجلة «نيتشر فيزكس

وفقاً لنظرية الانفجار الكبير، بدأ الكون بتشكّل كميات متساوية من المادة والمادة المضادة. ولأن المادة والمادة المضادة تفنيان بعضهما البعض، وينطلق الضوء بنتيجة هذه العملية، ينبغي ألا يبقى في الكون إذاً سوى عدد صغير جداً من الجسيمات (معظمها أشعة فقط). لكن الكون يتضمن فعلاً عدداً كبيراً جداً من الجسيمات. فأين القطعة المفقودة من الأحجية إذاً؟ ولماذا نلاحظ هذا التفاوت الكبير بين كميتي المادة والمادة المضادة؟

يأخذ النموذج المعياري في الحسبان وجود فرق بين المادتين بنسبة صغيرة، لكن ما زالت الأغلبية العظمى من المادة التي تشكّلت نتيجة الانفجار الكبير؛ لغزاً غامضاً. وبعد ملاحظة هذه الفجوة الكبيرة في معلوماتنا حول هذا الموضوع، قدم العلماء تفسيراً يقول إن قوانين الفيزياء ليست متماثلة بالنسبة للمادة والمادة المضادة (أو الجسيمات والجسيمات المضادة). لكن أين الاختلاف؟ وأين تفترق هذه القوانين عن بعضها؟

ظهر هذا الاختلاف - والذي يعرف أيضاً باسم «كسر تناظر الزوجية والشحنة» (charge-parity violation) - في الجسيمات الهادرونية تحت الذرية (الميزونات)، ولكن الذرات المعنية بالبحث هي الباريونات، فإن وجد دليل على وجود كسر تناظر الزوجية والشحنة في هذه الجسيمات، سيتمكن العلماء من حساب كمية المادة في الكون، وفهم سبب وجود كون غير متناظر من ناحية المادة والمادة المضادة. ويعتقد علماء سيرن، بعد عقود من الجهد المتواصل، أنهم حققوا هذا بالضبط.

تمكن علماء سيرن من رصد كسر تناظر الزوجية والشحنة في الباريونات، باستخدام كاشف مصادم الهادرون الكبير، إذ تصادمت نسختا المادة (Λb0) والمادة المضادة (Λb0-bar) من الجسيمات، وتحللتا بعد التصادم إلى مكونات مختلفة، مع وجود فرق كبير بين كميات باريونات المادة والمادة المضادة. ووفقاً لتقرير الفريق، فإن «بيانات كاشف مصادم الهادرون الكبير أظهرت وجود تباين كبير في هذه الكميات الحساسة لكسر تناظر الزوجية والشحنة بالنسبة لتحلل باريونات (Λb0) و(Λb0-bar)، ووصل الاختلاف في بعض الحالات إلى 20%.»

ما معنى هذا؟

لا يعد هذا الاكتشاف مهماً إلى درجة كافية من الناحية الإحصائية، ليكون دليلاً قاطعاً على وجود تباين كسر تناظر الزوجية والشحنة، لكن الكثيرون يرون أنها مسألة وقت فحسب. ويقول العالم كريس لي: «لا نحصل على النتائج في فيزياء الجسيمات إلا بصعوبة بالغة، فهي تستخلص من قلب التشويش بالتحليل الإحصائي الدقيق. ولا يعد الاكتشاف كاملاً إلا بعد أن يصبح احتمال الخطأ أقل من واحد في المليون. وفي هذه الحالة، لم نصل إلى النتيجة المؤكدة بعد (ما زال احتمال الخطأ من مستوى الواحد في الألف). وسيزداد التباين بسرعة أو يختفي كلياً. لكن، بما أن النتائج صحيحة ومؤكدة بالنسبة للميزونات، فمن المستغرب أن نجد أن هذه النتيجة خاطئة.»

يُعتبر هذا الاكتشاف المهم قفزةً كبيرةً نحو فهم حقيقي للأحداث قبل الانفجار الكبير، وخلاله، وبعده. وعلى الرغم من أن هذه الاكتشافات الفيزيائية تبدو ظاهرياً إنجازات تقنية تثير حماسة العلماء فحسب، إلا أن هذه المعلومات الجديدة قد تشكّل المفتاح الضروري لحلّ أحد أكبر الألغاز في الفيزياء الحديثة. وإذا تمكن علماء سيرن فعلاً من إثبات أن المادة والمادة المضادة تخضعان لقوانين فيزيائية مختلفة، فذلك يتغير وجه العلم الذي نعرفه، وسنحتاج إلى إعادة تقييم فهمنا للعالم الفيزيائي.