باختصار
رغم أنّها بعمر 30 عاماً إلا أنّ هذه التقنيّة مازالت في مراحلها الأولى، وربما سنشهد ثورةً صناعيّة كبيرة تمتد إلى مجالات البناء والاستهلاك والطب. عن الطباعة ثلاثية الأبعاد نتحدث.

في البداية كانت الكلمة

قبل اختراع الطباعة كان نسخ الكتب عملاً شديد الصعوبة، فقد كان على الناسخ أن ينقل الكتاب أو المخطوطةً حرفاً تلو إلى الآخر إلى النسخة الجديدة، ثم قام الألماني يوهان جونتبرج بتغيير كل ذلك عندما قدّم لنا الحروف المطبوعة، ورغم أنّ الكتاب المطبوع الأول ينسب للصينين، إلّا أنّ ما فعله جونتبرج لا يقلّ أهميّة عن ذلك، بل ربما يمكننا اعتباره ستيف جوبز أو بيل جيتس ذلك العصر!

تشارلز هول، طباعة ثلاثية أبعاد
تشارلز (تشاك) هول- أب الطباعة ثلاثية الأبعاد

لكن ماذا سيحدث لو دفعنا العجلة إلى الأمام قليلاً؟ كان تشارلز هول يشعر بالضيق بسبب الوقت الطويل الذي تستغرقه صناعة النموذج الأولي في عمله، عندما كان يعمل في مجال البلاستيك. لذلك قام في 1983 بتطوير تقنية الستيريوليثجرافي، والتي تُعرف حالياً باسم أفضل "التصنيع بالإضافة" Additive Manufacturing. باستخدام برنامج حاسوبي، يستطيع الفرد أن يصمم الشكل الذي يريده ومن ثم يقوم بطباعته بواسطة هذه الطابعة.

لم تكن المواد جيدةً لتصمد فترات طويلةً في البداية، بل كانت تُستخدم فقط لطباعة "النماذج" النهائية، كأجزاء السيارة مثلاً، وبعد معاينة النموذج تتم صناعة القطعة المطلوبة بالطريقة التقليديّة. نغيّر ذلك كلّه في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، حيث بدأ جيل جديد من مواد الطباعة بالظهور، وهو عبارة عن خليط من المعدن والبلاستيك، يتمتع بقوة ومتانة تسمح للمطبوعات بالصمود لفترات طويلة. تطوّرت هذه التقنيّة بسرعةٍ كبيرة، ورغم ذلك فإننا لازلنا نشهد بدايات العصر الجديد والثورة الطباعيّة الجديدة، فهي لا تقلّ أهميّة عن ثورة طباعة الكتب والمنسوخات.

أصبح بإمكانك الآن طباعة أيّ منتج تريده، فقط صمم هذا المنتج باستخدام تطبيق معيّن على الحاسوب وقم بإرساله للطابعة ثلاثية الأبعاد، التي ستطبع تصميمك في وقتٍ قصير مقارنةً مع وقت التصنيع القديم.

مبدأ واحد، طرق مختلفة

وللطباعة ثلاثية الأبعاد أنواع عديدة، منها ستيريوليثجرافي، التي تعتمد على تركيز الأشعة فوق البنفسجية على سطح حوض مملوء بسائل قابل للتبلور والتجسيم عند تعرضه لليزر. يقوم حينها شعاع الليزر برسم المجسم طبقة تلو الأخرى، وبعد الانتهاء من رسم الطبقة يهبط المجسم تحت السائل ليباشر الليزر برسم الطبقة التالية.

الطريقة الثانيّة هي تقنيّة نمذجة الترسبات المنصهرة  FDM، والتي تعمل بإنشاء المجسمات بواسطة قذف حبات صغيرة من المواد المذابة حرارياً لتتصلب مباشرة بعد خروجها من فوهة القذف، وهي طريقة سهلة ورخيصةٌ نسبياً، ومن الممكن التسويق لها تجارياً. الكثير من الأفراد يملكون طابعات ثلاثية الأبعاد في منازلهم، وسيزداد العدد بشكل هائل بعد أن ينخفض سعرها ليصبح في متناول الجميع.

ليست هاتين الطريقتين الوحيدتين في استخدام هذه التقنيّة، بل هناك الكثير من الطرق التي تطوّر يوميّاً وبمشاركات المبتكرين في الشرق والغرب معاً.
وقد قام ياسر حرب بالتحدث عن الطباعة ثلاثية الأبعاد في برنامج لحظة، يمنكم مشاهدة الحلقة لمعرفة تفاصيل أكثر:

الاستخدامات المختلفة للطباعة ثلاثية الأبعاد

اضغط للحصول على الإنفوجرافيك
اضغط للحصول على الإنفوجرافيك

للطباعة ثلاثية الأبعاد استخدامات عديدة، بل حتى أنّ مخترعها لم يعتقد يوماً أن تتعدد الوسائل التي سيتم الاستفادة بها من فكرته، فاليوم استطعنا أن نطبع حافلةً بواسطة هذه التقنيّة، واستخدامها في الطرق خلال نصف يوم!
وفي مجال الطب والصيدلة فإنّ الطباعة الثلاثية الأبعاد تحتل مركزاً هاماً، وربما تكون مستقبل الطب. فقد قامت شركة الدوائيات أبريشا  بطباعة أول حبة دواء بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، والتي تتمتع بميزات مهمة منها سهولة الذوبان في فم المريض.

ولا يقتصر استخدام هذه التقنية على الأدوية، بل هناك تخصص كامل في الطباعة ثلاثية الأبعاد باسم "الطباعة الحيويّة" والذي يتضمن تصنيع العظام واستبدالها في مرضى السرطان، وحتى طباعة أعضاء مختلفة من جسم الإنسان، لنصل يوماً إلى تلبيّة الاحتياجات الطبيّة والتخلي عن "التبرع بالأعضاء" وننتقل إلى طباعة الأعضاء المخصصة بشكلٍ فردي.

بل حتى في مجال الطعام والحلويات، ففي لندن مطعم فود إنك، الذي يعد بتقديم وجبات حُضرت بواسطة الطباعة ثلاثية الأبعاد، تتناولها وأنت جالس على كرسيّ حُضّر بنفس الطريقة.

لكن لهذه التقنيّة فوائد "كبيرة" أيضاً، فاليوم يمكننا طباعة المدن والبيوت بواسطة هذه الطريقة، وقد كانت دبي سبّاقة أيضاً في هذا المجال، حيث تم طباعة أول مكتب بتقنيّة الطباعة ثلاثية الأبعاد في مدينة المستقبل في دبي بمساحة 250 متراً مربعاً خلال 17 يوم فقط، وباستخدام طابعة بارتفاع 20 قدم، وكان فريق العمل عبارةً عن 18 شخصاً فقط، بينهم المختصون في الهندسة الكهربائية والميكانيكية.
وتم اعتماد أنظمة عزل تسمح بتخفيف استهلاك الطاقة وتوفير حماية من التعرض المباشر لأشعة الشمس.


وهذا المبنى ليس إلا بدايةً لمشروع دبي في مجال الطباعة ثلاثية الأبعاد، ففي عام 2030 ستكون 25% من مباني الإمارة مصنوعةً بهذه التقنيّة، وذلك للفوائد الكثيرة، منها تقليل وقت تشيّد البناء بنسبة 50-70% وتوفير مخلفات بنسبة أكبر بحوالي 60% من الطرق التقليديّة في البناء.

وهذه الرؤية هي جزء من استراتيجيّة تعتمدها دبي، بعد تأسيسها لمركز عالمي للطباعة ثلاثيّة الأبعاد، هادفةً لتحويل دبي إلى مركز لهذه الصناعة في 2030. ولن ينصب اهتمام دبي على الجانب الهندسي فقط من التقنيّة، بل يشمل المركز بالإضافة إلى قطاع الإنشاءات قطاعات أخرى كالقطاع الطبيّ والاستهلاكي، ليحاول جذب المبتكرين من جميع أنحاء العالم، ودمج القطاع الأكاديميّ ليمارس دوراً فعالاً في البحث والتطوير، مما يدفع أيضاً بالتقدم التعليمي في هذا المجال داخل الدولة.

الحدود هي الفضاء

ولا يقتصر دور الطباعة ثلاثية الأبعاد على إبهارنا بالمنشآت المطبوعة هنا على الأرض، بل يصل تأثيرها إلى الفضاء أيضاً، فقد طرحت وكالة الفضاء الأوروبية ESA فكرة بناء مستعمرةٍ على القمر، بواسطة الطباعة ثلاثية الأبعاد. وتعمل الوكالة مع مهندسين معماريين للبحث في إمكانيّة تحقيقها على أرض الواقع، أو فضاءه بالأحرى.

الشكل المتخيّل للمستعمرة القمرية. المصدر: ESA
الشكل المتخيّل للمستعمرة القمرية.
المصدر: ESA
أول آداة تُصنع في الفضاء بواسطة طابعة ثلاثية الأبعاد للاستخدام التجاري. المصدر: Nasa/Made in Space
أول آداة تُصنع في الفضاء بواسطة طابعة ثلاثية الأبعاد للاستخدام التجاري.
المصدر: Nasa/Made in Space

ستسهل هذه التقنيّة عملية البناء، فهي لا تحتاج إلى أيدٍ عاملةٍ كثيرة، وتستهلك مواد خام أقل لإنشاء الأبنية هناك. وكان البناء المقترح على شكل قبةٍ تحمي السكان من الأشعة الفضائية ومن النيازك الصغيرة التي يمكن أن تحلق بقربها. وستكون تقنيّة البناء مشابهةً لما طريقة بناء المنشآت على الأرض.

وحالياً يوجد في محطة الفضاء الدولية ISS، طابعة ثلاثية الأبعاد، يستخدمها رواد الفضاء لطباعة الأدوات التي يحتاجونها في مهاماتهم، وتمّت طباعة أول أداة بواسطة طابعة تجاريّة في يونيو/حزيران الماضي، أما الطابعة الأولى ثلاثية الأبعاد التي أُرسلت إلى الفضاء في 2014، فقد كانت من إنتاج نفس الشركة أيضاً "Made in Space" ولكنها صُنعت خصيصاً لناسا بعكس هذه الطابعة الأخيرة المتوفرة تجارياً.

وبالتأكيد لا ننسى إيلون ماسك وسبيس إكس، التي أطلقت صاروخها فالكون 9 بأجزاء مطبوعةٍ بهذه التقنيّة أيضاً.

إذاً ستغير هذه التقنيّة وجه العالم، في مجالات مختلفة وربما تكون صناعة المستقبل الأولى أيضاً، نطبع الدواء والأعضاء الحيويّة وألعاب الأطفال وحتى المباني، هنا وفي الفضاء وربما معاً نطبع "المستقبل".