باختصار
أعلن برنامج مسرّعات دبي للمستقبل عن 30 شركة تم قبولها في البرنامج، والتقنيات التي سيتم العمل عليها بهدف تسريع وتيرة التقدم البشري، وتشجيع الوصول لمستقبل أفضل.

عالم الأمس

في ستينيات القرن الماضي، كانت البشرية بشكل عام مقيدةً بكوكب الأرض. في الواقع، فقد كان أغلب البشر مقيدين بالمدن التي يعيشون فيها، وكان مجرد التواصل مع شخص بعيد مهمة في غاية الصعوبة، ناهيك عن قطع المسافة ذاتها بنفسك.

ولكن بعد 50 عاماً، أصبح العالم مكاناً مختلفاً تماماً.

يسمح لنا الانترنت عالي السرعة بإجراء حوار سلس ومباشر، وجهاً لوجه، مع أشخاص في مكان آخر في العالم، وأصبحت الطائرات متوافرة دائماً وبشكل فوري، كما أصبحت الرحلات رخيصة لدرجة أنه أصبح من الممكن لأي شخص أن يشتري تذكرة ويهبط في الجهة الأخرى من الكوكب في نفس اليوم. حتى السيارات ذاتية القيادة بدأت تنتشر في كل مكان. وبالطبع، فقد مشى الإنسان على سطح القمر.

تغير عالمنا كلياً خلال القرن الماضي، وذلك بفضل العلم والتقنية. ولكن، على الرغم من أن هذه التطورات قد حلت الكثير من التحديات وأنقذت ملايين البشر، فإنها جلبت معها مجموعة من التحديات الجديدة. وهي تحديات تخطط حكومة دبي لمواجهتها وحلها، وذلك بفضل برنامج مسرّعات دبي للمستقبل.

تتلخص مهمة مسرّعات دبي للمستقبل بالربط بين بعض أكثر شركات العالم إبداعاً وبين شركاء حكوميين وذلك لوضع نماذج أولية مستقبلية موضع التطبيق.

في المحصلة، فإن الهدف يتجاوز مجرد بناء تقنيات جديدة ومبتكرة. هذا بالطبع جزء من الخطة، ولكن بهذا البرنامج، تأمل دبي باستخدام التقنية لبناء مستقبل أفضل.

ابتكار عالم أفضل

يذكر الموقع الإلكتروني لمسرّعات دبي للمستقبل الخطوط العريضة للتحديات التي يؤمّل بمواجهتها لإنجاز هذه المهمة. مثلاً: توجد خطة لتنفيذ نموذج أولي لنظام نقل مؤتمت قادر على التخفيف من الازدحام، ويقلل من الوقت الذي يضيعه الناس على الطرقات، وبالتالي، يساعد على زيادة إنتاجية المجتمع. ولكن ما هو أكثر من ذلك، فإن الابتكارات التي يدرسها مشروع مسرّعات دبي للمستقبل ستساعد على تخفيف انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون.

كما يعمل البرنامج على جعل المجتمع أكثر أماناً للجميع، وذلك بتطوير أنظمة قادرة على تحديد الخارجين عن القانون، وتتبّعهم، ونشر وتشارك معلومات عنهم، بعشرة أضعاف الدقة والفعالية الحالية.

من الأهداف الأخرى أيضاً، تصميم أنظمة لتخفيف استهلاك الماء والطاقة إلى عُشر القيم الحالية، وابتكار حلول تعلم مُخصصة لكل طالب حسب احتياجاته لإدخالها في المناهج، واستخدام المعلومات الجينية لتسريع الاختبارات التشخيصية وإنقاذ الأرواح، وباختصار، ابتكار الكثير من التقنيات المستقبلية والحلول المستدامة.

في نهاية المطاف، كان هناك أكثر من 2,270 طلباً للمشاركة في البرنامج، من 73 بلداً مختلفاً. وبعد عملية الاستبعاد الصعبة، أعلنت دبي عن 30 شركة ستعمل معها، وعن التقنيات التي سيتم العمل عليها، من أجل تحقيق مستقبل أفضل.

تعرفوا على المستقبل

أحد أبرز هذه الشركات: هايبرلوب وَن. هايبرلوب هو نظام نقل فائق السرعة بالتخلية الهوائية (Vacuum)، ولا نقول "فائق" السرعة من قبيل المبالغة. كمثال على هذا، الزمن المقدر لنقل الناس من دبي إلى الفجيرة - بمسافة تتجاوز 105 كيلومترات (65 ميلاً) - يبلغ أقل من عشر دقائق. ولكن الهدف ليس فقط تحقيق نظام نقل سريع وحسب، بل أيضاً تحسين المجتمع ككل، بتأمين التنقل الفعّال للناس والبضائع بشكل غير مسبوق.

أيضاً، تأمل شركة نيكست فيوتشر ترانسبورتيشن بإحداث ثورة في طريقة قيادتنا للسيارات، أو بالأحرى استغنائنا عن قيادة السيارات. تعمل الشركة على بناء حُجَيرات صغيرة كهربائية، وذاتية القيادة، يمكنك أن تطلبها لتأخذك حيثما تريد باستخدام تطبيق على هاتفك الذكي. إضافة إلى هذا، يمكن للحُجَيرات أن تلتحم معاً أثناء حركتها، وتضيف عربات خاصة لتناول الطعام أو للمرحاض، وفق الحاجة.

هذا يشبه عمل شركة أوبر، ولكن بشكل أكثر روعة.

بالطبع، لا يقتصر البرنامج على حلول النقل فقط. فمثلاً: تعمل شركة كونسينسيس على إحداث تحول في اقتصادنا، وذلك من خلال ابتكار تطبيقات تساعد على تسهيل التعاملات التجارية والمالية باستخدام تقنيات بلوكتشاين (السجلات المحاسبية الإلكترونية)، وبالتحديد منصة إيثيريوم.

من ناحية أخرى، تعمل شركة هوني ويل على تأمين تقنيات صحية رقمية لمجموعة متنوعة من أنظمة الرعاية الصحية. تهدف الشركة إلى توسيع أدوات إدارة الأمراض و"إيصال الرعاية الصحية إلى ما هو أبعد من المشافي لمساعدة الناس على الاحتفاظ بصحتهم وهم في منازلهم."

هذا فقط جزء صغير من قائمة الشركات. يؤكد معالي محمد بن عبدالله القرقاوي، نائب رئيس مجلس الأمناء العضو المنتدب لمؤسسة دبي للمستقبل، على أهمية هذا المشروع، ويقول: "هذه المسرّعات ستتحول إلى جزء من جدول عمل الحكومة واستراتيجيتها، وستلعب دورَ المحفز للأبحاث والتطوير ضمن أهم القطاعات، مثل التعليم، والصحة، والبنى التحتية، والنقل، والطاقة. ستؤمن هذه المسرّعات منصة عالمية لتطوير حلول جديدة ومبتكرة لأهم التحديات التي تواجه المجتمع."

إننا ندخل عالماً جديداً يتسم بالجرأة، وقد وضعت دبي نفسها في المقدمة. وفي النهاية، فإن هذا مثال آخر على عمق التزام دبي بأن تفسح المجال لاختبار التقنيات المستقبلية والحلول المبتكرة القادرة على تغيير مستقبلها، ومستقبل العالم.