ألقى ميتشيو كاكو كلمة في القمة العالمية للحكومات المنعقدة في دبي، وعندما كنا نسمعها كان حالنا كحال بقية الحضور: نشعر بمزيج من الذهول والوجل مما نسمعه.

وكان الموضوع الذي تناوله؟ التغيُّر.

يجلب كل يوم يمر بنا تطورًا جديدًا في مجال الذكاء الاصطناعي والسفر الفضائي والحمض النووي  وهي تطورات رائعة ملهمة ولا ريب، لكن السرعة العالية التي تتحرك بها العلوم والتقنيات تثير أحيانًا رهبة وقلقًا في النفس؛ ويتوقع كاكو أن حالتنا ستتفاقم بتلك التطورات غرابة في العقدين المقبلين، فرسم في أذهاننا صورة جميلة -لا تخلو من الهزل- لعالم الغد الذي يراه، صورة تحوي أغرب الأشياء، من المراحيض التي تقرأ بروتيناتنا، إلى الجدران التي تتحدث إلينا.

الأرض 2.0

بدأ كاكو بالإشارة إلى أن اللغة العامية ستتطور بمرور الزمن لتواكب التطورات التقنية، ومعنى هذا من الناحية العَملية أن كلمة «حاسوب» سيعفوها الزمن، إذ قال إن «كلمة (حاسوب) ستختفي من اللغة الإنجليزية،» وإننا لن نستخدم هذه الكلمة لأن تلك الأجهزة ستصبح «سائدة،» أي إن كل شيء سيصبح حاسوبًا، من الشوارع إلى أجسادنا ذاتها، وسيصبح هذا قاعدة لا يخرج عنها شيء.

ثم تطرق كاكو إلى الطباعة ثلاثية الأبعاد وكيف ستغير نسيج حياتنا، فقال «العالَم الذي نتكلم عنه عالم جديد، عالم تستطيع أن تصنع فيه أي شيء إن أمكنك تخيله؛» ووصف عالمًا نستطيع أن نطبع فيه الأحذية أو المجوهرات أو أي ملبس يخطر ببالنا، عالمًا يستطيع المرء فيه أن يطبع لطفله أي لعبة يريدها، ولن يكون عليه إلا تحميل تصميمها ليتمكن من طباعتها في غرفته الخاصة.

حينئذ لن يكون منزلك مجرد مكان تبيت فيه، بل سيصبح أداة من أدواتك. وفوق هذا ستتحدث إلى جدرانه! إذ قال كاكو «في المستقبل سيصبح لدينا ورق ذكي» يعرض علينا المعلومات التي نطلبها، كما تفعل الشاشات الحاسوبية حاليًّا؛ ولن نتحدث إلى الجدران وحسب، بل سترد تلك الجدران علينا؛ ولا ريب أن كل هذا سيغير التصميم المعتاد لغرف المعيشة، فجدراننا ستصبح هواتفنا الذكية وحواسيبنا النقالة وشاشات تلفازاتنا.

تخيل أنك جالس على كرسي في غرفتك وتتحدث بصوت عال، وأنك في الوقت ذاته منطلق إلى أقصى أركان العالم الرقمي. هذه الصورة رائعة ولا ريب، لكنها تبدو أيضًا مفعمة بالعزلة والوحدة! ومع هذا يسع التقنية أن توصّلنا بأناس بعيدين جدًّا عنا، وتحدث كاكو عن هذا مشيرًا إلى أن التقنية ستجعلنا نتبادل الفِكَر بصورة لم يسبق لها مثيل، لأنك «ستتمكن من التحدث إلى الناس بأي لغة، فعدساتك اللاصقة ستكون قادرة على ترجمة أي حديث.»

وأما في الارتحال فلن يهمك بُعد المكان الذي تنشده، إذ لن تكون لك سيارة خاصة، ولن تضطر إلى القيادة، فالسيارات ستَحمل عنك ذلك؛ وفوق هذا ستصبح حمولتك أخف بعد أن يتحقق ما ذكرناه عن الطباعة وتصبح قادرًا على صنع معظم ما تحتاج إليه في أي وقت.

وأما من ناحية الاقتصاد، فيرى كاكو أننا نسير إلى مستقبل يختلف من الناحية الاجتماعية والاقتصادية عن أي شيء مررنا به، فقال «نحن نتجه حاليًّا إلى ما أسمّيه (الرأسمالية المثالية)،» وأوضح هذا المفهوم بقوله «هو القضاء على الوسطاء وعلى احتكاكات الرأسمالية» [الرأسمالية اللااحتكاية: مصطلح أطلقه بيل جيتس على السوق الفعّال الذي يتيح للمشتري والبائع التعامل مباشرة بأقل تكلفة بسبب انتشار استخدام الإنترنت]، وذكر أن المجتمع سيكون هو «الفائز» حينئذ، أما الخسران فسيحيق بالوسطاء وسماسرة البورصة.

نأتي إلى السؤال الأزلي: فماذا عنا نحن؟

أجاب كاكو «قد يمنحنا الذكاء الاصطناعي ما عجز عن بلوغه الأوائل: التغلب على الشيخوخة؛» فالأشياء تتقادم وتموت لتراكُم أخطائها بلا تصحيح، وحين يتيح لنا الذكاء الاصطناعي مقارنة ملايين من جينومات العُجُز بملايين من جينومات الشُّبان، سنتمكن من تحديد مكان حدوث الشيخوخة في جينوماتنا، فنقضي عليها.