باختصار
  • تستخدم الطباعة ثلاثية الأبعاد في مختلف مجالات الحياة، لكن قد يكون أحد أهم استخدامتها هو إعادة قابلية الحركة والتخفيف من إصابة أولئك الذين فقدوا أطرافهم.
  • نقدم لكم تجربتين مختلفتين من الوطن العربي، في لبنان والأردن.

خلال الحرب المشهورة بين أثينة وإسبارطة خلال القرن الخامس قبل الميلاد، وقع الملك الإغريقي أسيراً بأيدي الإسبارطيين، وكان في الزنزانة التي وضع فيها نفق أضيق من أن يتسع للملك الأسير، لكن هذا الأخير لم يعدم الحيلة للخروج من السجن، فقام ببتر رجله وخرج من النفق بعد أن أصبح أكثر ملاءمة لجسده الجديد، وبعد أن نال حريته استبدل قدمه التي بقيت بالزنزانة بقدم أخرى مصنوعة من الخشب. وكان ذلك أحد الاستخدامات القديمة للأطراف الصناعية.

كثير من الناس يتعرضون اليوم لما تعرض له ملك أثينا قبل 1500 سنة، فهم يدخلون نفق الحرب والصراعات المسلحة ويخرجون منها إن خرجوا فاقدين لأحد أطرافهم أو لعدد منها، لكن هذه المرة مكرهين وليس بإرادتهم، وعلى الفور تبادر المنظمات الإغاثية لتدارك الوضع وتأمين الأطراف الصناعية المطلوبة، لكن هذه العملية ليست بالسهلة، فهي من الناحية التقنية تحتاج لوقت لتأمينها، أما من الناحية المادية فإن هذه الأطراف تكلف آلاف الدولارات وهو رقم ليس باليسير، لكننا اليوم أمام ثورة في الصناعة، وهي تبشر بثورة في عالم الإغاثة.

لقد بدأت تظهر آلية قد تغير آلية الصناعة والإنتاج بشكل محوري وهي الطابعة ثلاثية الأبعاد. والتي هي عبارة عن جهاز يزود بالمواد الأولية على شكل بودرة ويقوم بعد تزويده بالتصميم ثلاثي الأبعاد بنفث المواد وضغطها على شكل طبقات متراكبة لتتحول إلى منتج مطابق للتصميم الحاسوبي. ومن الواضح أن الصناعيين سيعيدون النظر بخطوط الإنتاج بعد أن تصبح هذه الآلات جاهزة لتنفيذ المهام الأكثر تعقيداً. لكن الحروب القاسية لا تنتظر أحداً، لذلك انطلق العاملون بمجال الإغاثة للاستفادة من هذا الابتكار وبالسرعة القصوى.

في الأردن.. أطراف صناعية بـ 100 دولار فقط

أمل جديد مع الطباعة ثلاثية الأبعاد
أمل جديد مع الطباعة ثلاثية الأبعاد

شاب يمني ذو ثلاثة عشر ربيعاً، تعرض لقنبلة أفقدته أنامل يده اليسرى، لكنه اليوم يستخدم يداً صناعية تحمل شعار بطل الكرتون بن تن Ben Ten والفضل يعود لمركز الابتكار التابع لمركز السلع المفتوحة للاجئين ROW) Refugee open ware) في الأردن. يعمل هذا المركز والذي أسسه لؤي ملاحمه وديفيد ليفين بهدف استخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد لتصنيع الأطراف الصناعية، وذلك بهدف مساعدة اللاجئين الذين رمت بهم أمواج الحرب على شواطئ الأردن، ويقوم المركز بتصميم الأطراف الصناعية بما يتلاءم مع كل شخص، ومن ثم يتم إدخال التصميم مع المواد المطلوبة وهي غالباً من مشتقات البلاستيك والألياف الكربونية، لكي يتم تصنيع الطرف الصناعي المطلوب، ثم يتم تركيب الجراب النايلوني الذي يثبت الطرف على جسم الشخص المستفيد، كل ذلك بكلفة تقل عن الـ 100 دولار، وهذا التوفير الحاصل بسعر الأطراف هو ثورة بكل معنى الكلمة بمجال الإغاثة.

ومن لبنان أيضاً..

ليس بعيداً عن الأردن، في سهل البقاع اللبناني، قام المهندس الفلسطيني إبراهيم محمد وهو شاب ناشط بمجال الإغاثة ويدرس الهندسة الميكانيكية بجامعة روشستر، بالتواصل مع أساتذته للبدء بمشروع يعتمد على نفس المبدأ الذي طبق بالأردن بخصوص صناعة الأطراف الصناعية، وقد أثمرت جهوده عن تأمين الطابعات ثلاثية الأبعاد والتي تكلف كل منها حوالي 1300 دولاراً، لكنها توفر الأطراف الصناعية بكلفة حوالي 50 دولار وهو رقم يعد إنجازاً بحد ذاته. وبالتأكيد يجب عدم إغفال المنظمات والجمعيات الإنسانية التي تساهم بتمويل مثل هذه المشاريع فهي تؤمن الموارد اللازمة لتنفيذ المخططات الطموحة مثل تلك التي يمتلكها إبراهيم أو لؤي وديفيد، وهكذا يتم تحقيق التكامل المطلوبة بين الموارد والأفكار الإبداعية لتطوير حلول لعلاج كوارث تخطف بمناجلها أعداداً هائلة من الضحايا.

إبراهيم محمد
إبراهيم محمد في المختبر.
حقوق وملكية الصورة: إبراهيم محمد

يمكن القول أن التكنولوجيا سيف ذو حدين فهي توفر لصناع الحرب والدمار كل ما يحتاجونه لتطوير أدوات القتل، لكنها في الوقت نفسه أداة طيعة بيد أولئك الساعين لتخفيف آثار الحرب على المتضررين، كذلك يمكن القول أن بوادر الثورة الصناعية التي بدأت تظهر مع ظهور الطابعات الثلاثية الأبعاد، قد تلقاها دعاة السلام واستخدموها بالشكل الأمثل لتغيير مفهوم الإغاثة وليصبح ما كان حكراً على بعض الجهات متاحاً للجميع وبكلفة مقبولة. الحرب بحد ذاتها هي حالة فشل وصلت إليها الأطراف المتنازعة لكنها تحمل في داخلها قصص نجاح إنسانية غاية بالجمال تبعث على الأمل وتحثنا على العمل والمساعدة.