ابتكر أستاذ جامعي سوري شكلًا جديدًا من الزرعات تُغني عن استخدام النوع الواسع الانتشار والسائد منذ حوالي 30 عامًا والمصنوع من خلائط التيتانيوم التي تستمر عيوبها بالظهور منذ بداية استخدامها حتى وقتنا الراهن.

الزركونيوم

وفي مقابلة مع الأستاذ الدكتور نزيه عيسى صاحب الابتكار تحدث لمرصد المستقبل عن النوع الجديد؛ وقال إن «الشكل المبتكر الجديد للزرعات مكون من أحد مركبات الزركونيوم بطريقة تجعله يتمتع بمزايا زرعات التيتانيوم ذاتها، وتمنحه ميزة التخلص من سلبيات التيتانيوم.»

والزركونيا؛ مادة سيراميكية مكونة من الأحجار الكريمة، يصنفها المُبتكر على أنها صحية وتجميلية، لونها أبيض مطابق للون الأسنان، وهي مقبولة حيويًا ومماثلة للمواد الطبيعية وتتحمل قوى المضغ والضغط، وسهلة التنظيف ولا تنبعث منها روائح كريهة، وبإمكان المريض بعد زراعتها إجراء تصوير الرنين المغناطيسي بخلاف الشكل السائد المصنوع من مادة التيتانيوم، لأن المادة الجديدة غير معدنية ولا تتأثر بالأشعة المغناطيسية.

ولعل أهم ما يميز الابتكار الجديد أنه مكون من قطعة واحدة؛ جزء منها يدخل في العظم، والجزء الآخر يبقى مكشوفًا في الوسط الفموي، ويُستخدَم الجزء المكشوف لتثبيت التيجان السنية ليأخذ شكل السن الطبيعي.

ومع الزرعة الجديدة لا حاجة لإجراء الجراحة على مرحلتَين -على عادة الطرق التقليدية- إذ تمنح المادة المصنوعة منها ميزة الاكتفاء بمرحلة جراحية واحدة.

ويؤمن التصميم المعتمد على قطعة واحدة (عوضًا عن قطعتَين في زرعات التيتانيوم) عدم حصول تيارات كهربائية غلفانية في الوسط الفموي، ويضمن كذلك عدم تآكل أجزاء من سطح المادة كونها خاملة كيميائيًا. ويُخلِّص المرضى من مشاكل انحلال براغي الزرعات وانفكاكها  أو حتى انكسارها بعد استخدامها لبعض الوقت.

وتساعد المادة الجديدة في الحفاظ على اللثة وبقائها سليمة دون حساسية، وتُخلِّص المريض من الشعور بالطعم المعدني الناجم عن تآكل المعدن في زرعات التيتانيوم لدى تماسه مع لعاب الوسط الفموي.

ولا تسمح المادة الجديدة بالتصاق المادة المخاطية الموجودة في اللعاب بها، وتمنع تشكل اللويحات الجرثومية على سطحها، ما يقلل من التهابات الحواف اللثوية حولها، ويحمي من خطر تراجع اللثة والعظم حولها، ويساهم كل ذلك في نجاح الزرعات لفترة طويلة.

وأشار عيسى إلى وجود استخدامات سابقة للمادة أو مواد مشابهة لها في بضع دول، ولكنها لم تنتشر إلا على نطاق ضيق عالميًا، وما تزال قيد التطوير والبحث، لتبقى المواد التيتانية هي الطاغية في معظم دول العالم.

وقال عيسى في حديث خاص مع مرصد المستقبل «بعد إجراء الأبحاث في موضوع تقبل الجسم لمواد غريبة عنه، وبحكم تجربتي الطويلة في تدريسي لطلبة طب الأسنان منذ حوالي 24 عامًا، توصلت للتصميم الجديد للمادة واستخلصت منها زرعة تتفوق على زرعات التيتانيوم وتتجاوز عيوبها.»

وأضاف «تمتد تجاربي باستخدام الزرعات الجديدة لأكثر من ستة أعوام، إذ أثبتت التجارب جدواها وحققت مقاييس نجاح عالمية.»

وسجل عيسى ابتكاره رسميًا في مكتب براءات الاختراع السوري، التابع لوزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك باعتباره الجهة الوحيدة في سورية المخولة منح براءات الاختراع.

استخدامات أخرى للزركونيوم

وأكد عيسى على أن استخدامات الزركونيوم لا تنحصر في حالات زراعة الأسنان، إذ استخدمها باحثون كثر حول العالم في زراعة المفاصل الاصطناعية، وتميزت تلك الجراحات بأنها آمنة وسليمة.

ووسط جملة من المعوقات يأمل المُبتكر الحصول على دعم المستثمرين، في وقت ما زالت فيه ريادة الأعمال في سوريا في طور تشكلها، إذ يحتاج إنتاج وتصنيع المادة الجديدة مختبرات خاصة وأدوات ووسائل قياس خاصة لتصنيعها بمواصفات ومقاييس محددة.

وداعاً للتيتانيوم

تستخدم مادة التيتانيوم في زراعة الأسنان منذ العام 1981 وتسيطر على السوق باعتبارها المادة الوحيدة المستخدمة، إلا أنه عيوبها بدأت تظهر مع الوقت.

وعلى الرغم مما عُرِف عنها بأنها خاملة كيميائيًا وكهربائيًا ولا تتفاعل مع اللعاب وليس لها مضاعفات سمية أو تتسبب بحساسية، لكن تبين فيما بعد أنها لا تخلو من آثار سلبية مثل تهيج الغشاء المخاطي وحساسيته، بالإضافة إلى تعرضها للأكسدة باعتبارها مادة معدنية تحدث زُرقةً في اللثة وتسبب تراجعها مع الوقت.

سيرة ذاتية

الدكتور نزيه عيسى، أستاذ جامعي لزراعة الأسنان في كلية طب الأسنان في جامعة تشرين في مدينة اللاذقية السورية، حاصل على  شهادة الدكتوراه في زراعة الأسنان بدرجة الشرف عام 1994 وحاصل على شهادتي البورد السورية؛ إحداها في زراعة الأسنان والثانية في التعويضات الثابتة للأسنان.

رئيس تحرير سابق لمجلة جامعة تشرين منذ العام 2009 حتى العام 2011. وشغل مركز نائب رئيس جامعة تشرين للبحث العلمي والدراسات العليا بين عامَي 2009- 2011.

له أبحاث ومؤلفات أكاديمية عدة؛ منها علم التعويضات الثابتة.. تقنيات معاصرة، وتشريح الأسنان، والتيجان والجسور، والاضطرابات الفكية الصدغية والإطباق الوظيفي. ويشرف على كثير من أبحاث الدكتوراه والماجستير في كلية طب الأسنان.