يعاني المئات من المبدعين والمبتكرين في العالم العربي من غياب الجهات الرسمية الداعمة لمشاريعهم ما يشكل عقبة أمام مستقبل الابتكار في المنطقة ويضع على كاهل الحكومات مسؤولية تاريخية تفرض عليهم إنشاء حاضنات للأفكار تتعامل مع المبتكرين بجدية وتساهم في منع وقوعهم في مصيدة اليأس والقنوط.

ولدولة الإمارات العربية المتحدة تجربة رائدة في احتضان ابتكارات الشباب ودفعهم إلى مزيد من الإنتاج العلمي والتقني واختصار الجهد والوقت.

ملتقى العرب للابتكار

وضمن إستراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي تحتضن مدن إماراتية عدة فعاليات ومبادرات طموحة خارجة عن المألوف؛ كان آخرها استضافة مركز دبي التجاري العالمي لفعاليات النسخة الأولى من ملتقى العرب للابتكار 2018 الذي نظمته مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة، خلال الفترة من 26 إلى 28 فبراير/شباط الماضي، بالتزامن مع شهر الإمارات للابتكار.

والملتقى هو أكبر حدثٍ للابتكار في العالم العربي، يقدم الدعم لرواد المستقبل وأصحاب الأفكار والمبدعين العرب، ويحتضن أحدث الابتكارات والتقنيات العالمية، لعرضها أمام نحو 10 آلاف زائر من مختلف دول العالم.

وتضمن الملتقى إقامة معرض لمشاريع تخرج طلبة مبتكرين من كليات التقنية العليا؛ منها تصميم أداة إنقاذ لاسلكية صغيرة الحجم ومنخفضة التكلفة وبعيدة المدى لتطبيقات السفر المختلفة، تتيح للمسافر حملها في حقيبة الظهر، ومشروع آخر هو تصميم تطبيقي لهوائيات مستحدثة للقمر الصناعي الإماراتي 1U وهي هوائيات صغيرة الحجم، للتواصل العلوي والسفلي، تعمل على رصد انبعاث غازَي ثاني أكسيد الكربون والميثان.

الابتكار لتعزيز الأداء الحكومي

وركز الملتقى على ابتكارات تُعزز الأداء الحكومي في قطاعات متعددة؛ منها الحكومة الذكية والتكنولوجيا والاتصالات والرعاية الصحية والطاقة المستدامة والنقل المستقبلي والخدمات المالية.

وأطلقت دولة الإمارات مطلع مارس/آذار الجاري أول مهندس استشاري آلي في العالم للقيام بأعمال حكومية رفيعة في إطار الاهتمام المتنامي لحكومة الإمارات والخطط الإستراتيجية الرامية إلى تطوير قطاع الذكاء الاصطناعي والوصول إلى الريادة فيه في المنطقة العربية والعالم.

وأصدرت وزارة تطوير البنية التحتية بيانًا أعلنت فيه إطلاق الروبوت المهندس والاستفادة منه بدعم منظومة العمل المؤسسي في الوزارة، بالتزامن مع ختام فعاليات شهر الإمارات للابتكار.

وقال وزير تطوير البنية التحتية، الدكتور عبد الله بلحيف النعيمي، إن وزارته بصدد تسجيل المهندس الآلي للحصول على براءة اختراع عالمية، مشيرًا إلى أن «مثل هذه المبادرات الابتكارية تأتي في إطار سعي الوزارة لتحقيق الريادة العالمية، ودعم توجه الدولة في ذلك المجال

ويضطلع المهندس الآلي بأعمال حكومية متعلقة بالإجراءات والعمليات؛ مثل تخطيط المشاريع، والتصميم والإشراف خلال مراحل التنفيذ، ودعم عملية اتخاذ القرار والتقليل من المخاطر.

والمهندس الآلي؛ جزء من 26 مشروعًا ومبادرةً أطلقتها وزارة تطوير البنية التحتية، خلال مشاركتها في شهر الإمارات للابتكار.

وتسعى الوزارة -التي تعد الذراع التنفيذية للحكومة الاتحادية- لتسخير واستثمار تقنيات الذكاء الاصطناعي لتطوير البنية التحتية للدولة، وتوفير الوقت والجهد والمال، بدعمها لمشاريع طموحة تعمل على تطبيقها في المستقبل القريب؛ منها الطباعة ثلاثية الأبعاد للجسور، واستخدام الطائرات دون طيار في مشاريع البنية التحتية والرفع المساحي والتعداد المروري وتصميم تقاطعات الطرق بطريقة سلسة.

ويزداد الاهتمام الحكومي باستثمار تقنيات الذكاء الاصطناعي وتوظيفها في عمليات دعم اتخاذ القرار في مكتب رئاسة مجلس الوزراء، وفي 9 فبراير/شباط الماضي، عرض متحف دبي للمستقبل قدرة الذكاء الاصطناعي على القيام بأعمال حكومية رفيعة، وتقديم الدعم لصناع القرار، عبر شاشات تفاعلية تعرض وتحلل البيانات المتعلقة بالقضية المطروحة، وتوضح الواقع والنتائج المترتبة على التوجهات الرسمية.

تنمية مستدامة وترشيد للإنفاق الحكومي

وقال جمال بن حويرب، المدير التنفيذي لمؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة، في تصريحات صحافية إن «الملتقى يواكب توجهات وخطط دولة الإمارات في مسيرتها نحو التنمية المستدامة، وأهداف مئويتها 2071، عبر تعزيز مفهوم الابتكار وتوظيفه في تقديم حلولٍ ومشاريعَ مبتكرةٍ، تدعم بناء مجتمع متكامل ومزدهر من الجوانب كافة

وأضاف إن الملتقى «يسعى لتوفير قنوات متخصصة تسلط الضوء على مفهوم الابتكار من منظور شامل، وتناقش متطلباته وقضاياه، بحضور نخبة من المبتكرين والمتخصصين من جميع أنحاء العالم

وأكد أحمد محبوب مصبح، مدير جمارك إمارة دبي، على أن «الملتقى يمثل فرصة ذهبية لتفاعل أفكار المبدعين والمبتكرين من القطاعَين الحكومي والخاص

وأشار مصبح إلى أن انفتاح القطاع العام ومؤسسات الدولة على تلقي الأفكار وتطبيق الابتكارات ساهم في ترشيد الإنفاق وتوفير إيرادات متراكمة وصلت إلى حوالي 1.7 مليار درهم.

وتناولت فعاليات الملتقى جوانب الابتكار في الحكومات الذكية، والطاقة المستدامة، والرعاية الصحية، والخدمات المبتكرة في الجهات الحكومية.

وتخلل فعاليات الملتقى عقد قمة تضم مجموعة من كبار المفكرين والخبراء الدوليين لمشاركة الزائرين رؤاهم المستقبلية، وعرض أكثر من 120 منصةً لشباب مبتكرين من دول عربية مختلفة، ليقدم جوائز لأفضل المبتكرين ورواد الأعمال والمؤسسات الداعمة للابتكار.

وذكرت إحدى المتحدثات في الملتقى، فايث بوبكورن المختصة بعلوم المستقبل، إن «إمارة دبي لم تتخيل المستقبل فقط بل خلقت -في الواقع- المستقبل في وقتنا الحاضر

وسلط المتحدث في الملتقى غانم الفلاسي، نائب الرئيس الأول للابتكار في سلطة واحة دبي للسيليكون، الضوء على تجربة الشركة المملوكة لحكومة دبي، والمتمثلة في إعداد البنية الأساسية للابتكار في الواحة لتوفير جميع مواصفات المدينة الذكية، واستقطاب الأشخاص الأذكياء للعمل والإقامة فيها.

وقال الفلاسي إن المدينة التي ما زالت قيد الإنشاء تشغل «موقعًا استراتيجيًا لازلنا نعمل على تطويره واستكمال جميع المنشآت والمراكز التابعة له؛ من مستشفًى ذكي ومراكز تجارية ومراكز تسوق ذكية على مساحة 1 كلم2.»

تجربة متقدمة

وتُعد تجربة دولة الإمارات في مجال الذكاء الاصطناعي متقدمة على مستوى المنطقة والعالم، إذ شرعت بالفعل بالتخطيط للتحول إلى مدنٍ ذكية وخضراء تُحقق التنمية المستدامة لأجيال المستقبل، بإرهاصاتٍ بدأت تظهر في أبوظبي ودبي.

وبدأت سلطات أبوظبي عام 2008 بإنشاء مدينة «مصدر» وهي من أوائل المدن الذكية عالميًا، لتكون نواة أولى تهدف لاستيعاب التوسع الحضاري السريع، والحد من التلوث بالاعتماد على الطاقة النظيفة وإعادة تدوير المخلفات بالطرق التكنولوجية الحديثة.

وكذلك تحولت إمارة دبي خلال العقدَين الأخيرَين إلى مركز اقتصادي عالمي، يستند إلى التحول الرقمي

https://www.youtube.com/watch?v=obAonZxP-64.

وعيّنت دولة الإمارات في أكتوبر/تشرين الأول 2017، أول وزير دولة للذكاء الاصطناعي، ضمن تعديل وزاري جاء بصبغة شبابية، في إطار إستراتيجية الذكاء الاصطناعي الأولى من نوعها في المنطقة والعالم.

وأطلقت الإمارات حديثًا مبادرةً لتعليم مليون شخص علم البرمجة، وكذلك تعليمها للأطفال في المدارس، وتعمد إلى تشجيع الخبراء من جميع أنحاء العالم على المساعدة في تسريع تطوير التقنيات في الدولة.

وتطورت الخدمات الإلكترونية في الإمارات بشكل ملحوظ وسريع في الأعوام الأخيرة، ولإمارة دبي تجربة سابقة في خدمة المراجعين عبر القنوات الذكية، وفي العام الماضي أطلقت الحكومة مبادرة «يوم بلا مراكز خدمة» بهدف الحصول على خدمات دائرة المالية وإجراء المعاملات الحكومية عبر التطبيقات الذكية أو مواقع الإنترنت، والاستغناء عن مراكز الخدمة التقليدية يوم 26 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وتُطوِّر حكومة دبي حاليًا نظامًا متكاملًا لإدخال الذكاء الاصطناعي في مفاصل قطاع الشرطة ضمن إستراتيجية دبي 2021 للذكاء الاصطناعي، وهو أول مشروع ضخم ضمن مئوية الإمارات 2071 (المستندة إلى أربعة محاور؛ تتمثل في الوصول إلى أفضل تعليم وأفضل اقتصاد وأفضل حكومة في العالم وأسعد مجتمع في العالم) والساعية إلى الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في خدمة وتحليل البيانات بمعدل 100% بحلول العام 2031.

يُذكر إن تقارير محلية تؤكد على أن استثمار دولة الإمارات في مجال الذكاء الاصطناعي سجل نموًا وصلت نسبته 70% منذ عام 2015.