أعلنت جمهورية الصين الشعبية إنها تمكنت من الهبوط بنجاح بالقمر الاصطناعي تشانغ أه-4 على الجانب البعيد غير المرئي من القمر في رحلة طال انتظارها وأجلتها البشرية لعقود، بمشاركة المملكة العربية السعودية للمرة الأولى في تاريخها.

وقالت وسائل الإعلام الصينية، إن المسبار القمري غير المأهول؛ تشانغ أه-4، هبط في الساعة 02:26 بتوقيت جرينتش في حوض القطب الجنوبي في إيتكين عند التقاء خط طول 177.6 درجة شرقًا وخط عرض 45.5 درجة جنوبًا، في خطوة يرى فيها الخبراء علامة بارزة في تاريخ البشرية ونقلة في مساعيها لغزو واستكشاف الفضاء.

ويحمل المسبار معدات لإجراء تجارب بيولوجية وتحليل جيولوجيا المنطقة غير المستكشفة من القمر. ونشرت وسائل الإعلام الحكومية الصينية بالفعل أول صورة للسطح القمري؛ وقالت إن المسبار أرسلها بصورة غير مباشرة، لغياب الارتباط المباشر مع المحطة الأرضية، إذ تُرسَل جميع الصور والبيانات إلى قمر اصطناعي منفصل قبل ترحيلها إلى الأرض. وأدخلت الصين العام الماضي قمر تناوب اصطناعي في مدار القمر لإقامة وصلة اتصال بين الأرض والمسبار القمري، ليكون بذلك أول قمر اصطناعي في العالم يعمل في هذا المدار.

مصدر الصورة: وكالة شنخوا الصينية

موقع الهبوط

وتهدف الرحلة إلى استكشاف مكان يسمى فوهة بركان فانمارمان، داخل حوض القطب الجنوبي الأكبر، الذي يُعتقَد أنه تشكل جراء تأثير كبير في وقت مبكر من تاريخ القمر.

وقال أستاذ العلوم الفيزيائية في مختبر مولار لعلوم الفضاء في المملكة المتحدة، آندرو كوتس، إن «قطر الحفرة الضخمة يصل إلى 2500 كيلومتر ويصل عمقها إلى 13 كيلومترًا، وهي إحدى من أكبر الحفر في النظام الشمسي، وأكبر وأعمق وأقدم حوض على القمر» وفقًا لهيئة الإذاعة البريطانية.

وقالت وكالة الفضاء الوطنية الصينية، إن المسبار حين وصل إلى ارتفاع 100متر فوق سطح القمر، حام للتعرف على الموانع وقياس الانحدار على السطح، وبعد تجنبه الموانع اختار منطقة مسطحة نسبيًا وانخفض بشكل عمودي وبطيء، وبعد إجرائه العمليات الحسابية المتعلقة، عثر المسبار على أكثر المواقع ملائمة وسلامة للهبوط، وواصل عملية الهبوط ليوقف المحرك عندما كان على ارتفاع مترين من السطح، ويهبط بعدها على أربعة أرجل تعمل كوسائد ماصة للصدمات.

وأطلقت الصين المسبار تشانغ أه-4 من مركز شيجانغ لإطلاق الأقمار الصناعية في الصين في 8 ديسمبر/كانون الأول ووصلت إلى مدار القمر في 12 ديسمبر/كانون الأول الماضي.

مصدر الصورة: وكالة شنخوا الصينية

أهمية الرحلة

شهدت الأعوام الأخيرة مهمات فضائية عدة إلى القمر، إلا أن معظمها دار في الفضاء، وكانت آخر مرة هبط فيها مسبار على القمر في العام 1972 بواسطة المسبار أبولو17 على الجانب المرئي منه. ولم تُقدِم بعثات الفضاء على تصوير الجانب غير المرئي للقمر منذ العام 1959 بعد بعثة لونا 3 السوفييتية.

وتنبع أهمية الرحلة من كونها المرة الأولى في تاريخ البشرية، التي نهبط فيها على الجانب البعيد الوعر وغير المستكشف للقمر؛ ونقلت هيئة الإذاعة البريطانية، عن عالِم الفلك في جامعة كاليفورنيا للتقنية، يي كوانتشي، أنها «المرة الأولى التي تحاول فيها الصين القيام بشيء لم تحاول قوى فضائية أخرى القيام به من قبل.»

ويأمل العلماء في دراسة صخور المنطقة عبر قشرة القمر نزولًا إلى المنطقة المسماة بالوشاح، وتقصي أجزاءً من صفيحة الصهر الذائب، ما يمنحنا تصورًا أوضح عن منطقة القطب الجنوبي للقمر، ويسمح بتحديد الاختلافات في تركيبته، بالإضافة لدراسة الصخور المنهارة وغبار السطح.

ويحمل تشانغ أه-4 كاميرتين وجهاز إشعاع ألماني الصنع يسمى إل إن دي وجهاز مطياف لإجراء عمليات مراقبة علم الفلك الراديوي ذات التردد المنخفض، إذ يرى العلماء أن الجانب البعيد للقمر يمكن أن يكون مكانًا ممتازًا لإجراء تجارب الفلك الراديوي، لأنه محمي من ضجيج الترددات الراديوية الأرضية.

مصدر الصورة: وكالة شنخوا الصينية

تجارب بيولوجية

وتهدف الرحلة أيضًا إلى إجراء تجارب بيولوجية على سطح القمر، إذ يحمل المسبار وعاءً بحجم 3 كيلوجرامات يحتوي على بذور نباتات البطاطا ونبات رشاد أذن الفأر، بالإضافة إلى بيض دودة القز، لتجربة تصميم «المحيط الحيوي الصغير» الذي شاركت بإنشائه 28 جامعة صينية.

وتضم المعدات أيضًا كاميرا بانورامية، ورادار للتحقيق تحت سطح القمر، ومطياف تصوير لكشف المعادن، وأدوات لفحص تفاعل الرياح الشمسية مع سطح القمر.

مشاركة السعودية

وتشارك المملكة العربية السعودية للمرة الأولى في تاريخها برحلة فضائية، بعد شهور من البحوث الفضائية المشتركة مع جمهورية الصين الشعبية. وتُعد الرحلة إنجازًا لبحوث الفضاء العربية، وهي ثمرة مذكرة تفاهم موقعة بين الرياض وبكين، منتصف مارس/آذار 2017.

ويتولى الجانب السعودي في الرحلة تصميم أنظمة استشعار فضائية وتصنيعها بهدف التقاط صور للقمر وتوفير بيانات علمية للباحثين في علوم الفضاء. وعمل طاقم باحثين سعوديين من مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، خلال عام واحد، على تجهيز حمولة مدمجة وتطويرها وتصنيعها بقدرات عالية وبحجم أقل من 10.5 سم3 وبوزن لا يتجاوز 630 جرامًا على القمر الصيني.

وقال رئيس مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية ، الأمير تركي بن سعود بن محمد، إن «الحمولة تتكون من وحدات تصوير، ومعالجة بيانات، ووسيط بين أنظمة القمر الاصطناعي ونظام الحمولة، وتمتاز بخفة وزنها وقدرتها على تحمل بيئة الفضاء، وتصوير القمر بزوايا وارتفاعات مختلفة بدقة تباين تتفاوت وفق تغير المدار القمري.»

وأضاف إن مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية «نجحت في تطوير تلك الأنظمة من خلال فريق عمل متخصص يضم نخبة من المهندسين والباحثين السعوديين أسهموا في تصميم وتصنيع نظام حمولة التصوير القمري في معامل المدينة» وفقًا لوكالة الأنباء السعودية.

مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية

ومدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية؛ مؤسسة علمية حكومية لها شخصيتها الاعتبارية المستقلة وملحقة برئيس مجلس الوزراء السعودي ومقرها الرئيس في العاصمة الرياض. أُنشِئت المدينة عام 1977 تحت اسم المركز الوطني العربي السعودي للعلوم والتقنية، وفي 1985 تغيرت تسمية المركز إلى مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية.