أطلق شباب مصريون مؤسسة تنموية تتبنى الأفكار الابتكارية لتطوير المجتمع وتأمين حاجاته الأساسية ومنها توفير مياه الشرب النظيفة والآمنة التي تفتقر لها آلاف المناطق والقرى النائية في مصر.

وبعد تزويد أربع قرى بالمياه الصالحة للشرب؛ منها قرية الصف وقرية بهبيت التابعتان لمحافظة الجيزة، من خلال تصميم محطات لتنقية المياه وإنشائها، تسعى مؤسسة بناء إلى تزويد 500 ألف شخص بمياه الشرب الآمنة.

وأشار القائمون على المؤسسة إلى أن فكرة مشروعهم نبعت من حاجة اجتماعية وصحية ملحة، إذ تعاني أكثر من 3 آلاف قرية نائية ومهمشة في مصر من شح في مياه الشرب النقية، ونقص في خدمات الصرف الصحي البيئي، لذلك يُصرِّف الأهالي مخلفاتهم في التربة، لتأخذ طريقها إلى الآبار الجوفية، وتختلط بمياه الشرب، لأنها أُنشِأت بشكل عشوائي غير منظم، مع غياب لحلول عملية مبتكرة ذات كفاءة عالية وتكلفة منخفضة، ما حفز الفريق على التفكير بحلول سريعة مبتكرة تحقق الاستدامة للحفاظ على الصحة العامة.

وقال المهندس البيئي، كريم خالد حسن، المدير التنفيذي لمؤسسة بناء، في حديث خاص لمرصد المستقبل، إن «مشروعنا يهدف لتصميم أنظمة بسيطة وسهلة التجميع والتركيب، في مجمَّعات؛ نطلق عليها اسم أكشاك المياه، بعد حفر آبار أرتوازية قريبة من منازل الأهالي، وإنشاء محطات معالجة للمياه، لتحويلها إلى مياه نظيفة وآمنة.»

وأضاف إن «تقنية معالجة وتنقية المياه تستند إلى ثلاث مراحل؛ الأولى نزيل بها الشوائب، والثانية لإزالة الكيميائيات أو المواد العضوية، أما في المرحلة الثالثة فنزيل جميع الأملاح الزائدة، للوصول إلى مياه نقية تمامًا، ونصل إلى مرحلة التعقيم، للتخلص من البكتيريا والفيروسات، ثم نخزن المياه المعقمة في خزانات كبيرة لتكون جاهزة للاستخدام البشري، بدرجة نقاوة تضاهي المياه المعدنية.»

وتابع «المحطات التي صممناها لتنقية المياه تُدار بصورة آلية بالكامل، مع تدريب أحد الأهالي المتفرغين لمتابعة أمور الصيانة الدورية، ويستخدم الأهالي المياه بالمجان، أما أمور الصيانة الدورية كل ستة شهور، فيجمع الأهالي تكلفتها من بعضهم البعض. وتبلغ إنتاجية أصغر محطاتنا نحو 20 ألف لتر يوميًا، ما يوفر المياه الآمنة لنحو 10 آلاف شخص يوميًا.»

وأشار حسن إلى أن «تكلفة إنشاء المحطات تعتمد على الجهود الذاتية، أو بالتعاون مع جمعيات أهلية ومؤسسات تنموية في مصر، وأنجزنا حتى الآن أربع محطات مياه نقية لخدمة أربع قرى، ما يعني توفير مياه آمنة لما بين 30 إلى 40 ألف شخص، ونعمل خلال الشهر الحالي على تجميع محطتين توفران المياه النظيفة لقريتين إضافيتين.»

ويأمل القائمون على المؤسسة أن يطبقوا خططهم المستقبلية على أرض الواقع، إذ يعتزمون إنشاء 50 محطة خلال العام المقبل، لتزويد نحو 500 ألف شخص بالمياه الآمنة، وذلك بالتعاون مع هيئات ومؤسسات وجمعيات خيرية وأهلية داخل مصر وخارجها، وسيُطرَح المشروع في يناير/كانون الثاني المقبل لتلقي التبرعات من مختلف أنحاء العالم.

واعتمد فريق العمل في عملية تصفية المياه، على تجميع الأنظمة والنماذج الناجحة عالميًا، والاستفادة من التجارب السابقة، وتعديلها بما ينساب خصوصية بيئة القرى النائية في مصر.

وقال حسن إن «مؤسسة بناء تسعى لخلق بيئة مواتية بسواعد الشباب على غرار المؤسسات التنموية الدولية الكبيرة، لتنمية الأرياف وتطوير قدرات السكان المحليين، مع مراعاة القوانين واللوائح الخاصة بالمياه، والتركيز على إشراك القطاعَين العام والخاص والمجتمع الأهلي، لتحقيق استدامة لمشرعاتنا تحول دون تعرضها لمشكلات مستقبلية.»

ويعد الافتقار لمياه الشرب الآمنة وغياب المرافق الصحية وعدم الاهتمام بالنظافة، الأسباب الأساسية لارتفاع نسبة الوفيات الناجمة عن أمراض الإسهال التي تصل إلى مئات الآلاف سنويًا.

معالجة المياه الرمادية

وأشار حسن إلى أن المؤسسة ابتكرت نظامًا آخر؛ سَمَّته نظام معالجة المياه الرمادية، لتنقية مياه صرف الأحواض واستخدامها للري، ونفذته في مدارس مصرية عدة، وابتكرت المؤسسة كذلك منظومة هندسية أخرى لمعالجة مياه الصرف الصحي، ونفذتها في قرًى عدة.

وحازت المؤسسة على جوائز محلية عدة؛ منها جائزة وزارة الدولة لشؤون البيئة المصرية، وفاز مشروع تنقية المياه بجائزة المملكة المتحدة كواحد من أفضل المشروعات الناشئة في العالم عام 2017، وكُرِّمت المؤسسة في أكثر من محفل دولي؛ منها منتدى المياه العالمي في البرازيل، وعُرِضت التجربة في أسبوع المياه العالمي في العاصمة السويدية ستوكهولم، وكرَّمتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) من بين أفضل 60 مبادرة معنية بالبيئة على مستوى العالم.

 

سيرة ذاتية

كريم خالد حسن؛ باحث ماجستير في الهندسة البيئية، يبلغ من العمر 30 عامًا، عمل كباحث في مجال المياه في جامعة الملك سعود في المملكة العربية السعودية، وباحث في الجامعة الأمريكية في العاصمة المصرية القاهرة في قسم الهندسة البيئية، وباحث في جامعة دويسبورج إيسن الألمانية، وعمل في إدارة المشروعات مع مؤسسة سويسرية عاملة في مجال المشروعات التنموية المتعلقة بالمياه والبيئة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وهو أحد المؤسسين لفرعها في العالم العربي الذي ينشط في لبنان والأردن وفلسطين.