ما برحت العملة المعماة الشهيرة «بتكوين» مستمرة بالاندفاع بلا هوادة منذ بداية العام الحالي حتى الآن، إذ تجاوز سعرها 4000 دولار لتثبت جدارتها بوصفها العملة المعماة الأولى والأعلى قيمة في العالم، على الرغم من المنافسة التي تبديها العملات المعماة الأخرى.

 

وبانتشار العملات المعماة، تتزايد المخاوف من تسخيرها لأهداف خاطئة، كاستغلال صفتي اللامركزية والمجهولية في التهرب الضريبي، وانتهاك الخصوصية، وغسيل الأموال، وغيرها من العمليات غير القانونية، وعلى هذا الأساس، أخذ «صالح راشد الهيملي » على عاتقه دراسة الأهمية التي تقدمها البيانات التي تخلفها عملة بتكوين بعد استخدامها، ما يسهم في إثراء المعلومات الجنائية المرتبطة بهذا المجال، ويحد من تسخيرها في أغراض غير مشروعة. ويشغل «صالح راشد الهيملي» حاليًا منصب خبير الأنظمة الأمنية في هيئة تقنية المعلومات في سلطنة عمان، وهو حاصل على درجة الماجستير في إدارة المعلومات وأمنها من جامعة بيدفوردشاير البريطانية.

عمل كل من صالح راشد الهيملي  وحيدر الخطيب على تعقب ما تخلفه عملة «بتكوين» من آثار، ونشرت دراستهما في مجلة «ديجيتال فورينسكس» المتخصصة في أحدث تقنيات العلوم الجنائية، والتصاميم المخبرية، والأجهزة والمعدات.

وفي حديث خاص لمرصد المستقبل أشار صالح إلى السبب الذي دعاه لتخصيص أطروحة الماجستير في إدارة المعلومات وأمنها حول عملة بتكوين، إذ قال «بعد قراءة متأنية عن تاريخ العملة الرقمية، وطريقة عملها، وعن الأحداث الأمنية المنوطة باستخدامها، وجدت أنه من الضروري التعمق في البحث عن مكنوناتها، وعن إيجابياتها وسلبياتها، وكيفية تفادي استخدامها للأغراض غير المشروعة، وأردت من خلال دراستي إيجاد أدلة متعلقة بأجهزة المستخدم، كجهاز الحاسوب، وجهاز الهاتف المحمول.»

ولا ريب أن الحكومات انقسمت في مواقفها إزاء عملة بتكوين، فاتجه بعضها إلى إضفاء صفة قانونية للعملة المعماة، بينما اختار البعض الآخر ألا يتعامل معها، ووفقًا لصالح فإن مستقبل العملة المعماة يبقى مجهولًا وغامضًا حتى يومنا هذا، فعلى الرغم من تشريع العديد من الحكومات للعملة الرقمية، فإننا نجد حكومات ما زالت متخوفة من فكرة عدم وجود منظمة مركزية تحكم عمل العملة الرقمية، وبالتالي عدم وجود أي سلطة مالية من جهة الحكومة ذاتها.

وبمقارنة إيجابيات التداول بعملة بتكوين مع سلبياتها، علق صالح قائلًا «تبقى إيجابيات هذه العملة وسهولة التداول بها أكبر من سلبياتها.» وعلى الرغم من الإيجابيات التي تحملها العملة المعماة، فإنها قد مهدت الطريق أمام الكثير من العمليات غير القانونية، وأضاف صالح «مع بداية ظهور العملة الرقمية، وجدت وكالات الأمن العالمية تداول ما يزيد عن 500 مليون دولار في العديد من الأنشطة الغير مشروعة، كتجارة المخدرات والأسلحة، وتمويل الجماعات الارهابية، ولذلك أجريت دراسات لتعقب إستخدام العملة الرقمية، تماما مثل هذه الدراسة.»

ونظرًا لأن طبيعة عمل العملة الرقمية تعتمد على التعامل المباشر دون الحاجة لوسطاء، فإن ذلك ساهم ذلك في انتشار الاستخدام الخاطئ لعملة بتكوين، إذ قال صالح «منذ استحداث عملة بتكوين، وُجدت العديد من المشكلات أو الثغرات الأمنية التي أدت إلى إساءة استخدامها، وتم تجاوز مع هذه المشكلات، كمشكلة الخصوصية، ومشكلة الاستعمال المتكرر.»

وتفرض طبيعة عملات بتكوين عدم القدرة على التتبع ما صعب المهمة على الحكومات في تعقب الهجمات الإلكترونية، ومن هنا جاءت أهمية تحري آثار العملة، إذ قال صالح «للعملة الرقمية عدة ميزات ومن ضمنها أنها غير مركزية، ولا تفرض أي رسوم على مستخدميها، وسريعة؛ أي يمكن للمستخدم إجراء أي معاملة في أي وقت دون الرجوع لأي مؤسسة بنكية أو الانتظار لأيام العمل الرسمي. ولكن إذا أمكن تعقب مستخدمي العملة الرقمية، فإن ذلك سيسهم في الحد من استخدامها غير مشروع، ويساعد في تنظيم وتشريع استخدامها.»

ويرى صالح أنه وعلى الرغم من تلك السلبيات، فلا يوجد ما يعيق تطبيق العملة الرقمية أو تقنية «البلوكتشين» في القطاع الحكومي، فضلًا عن أنه يمكن العمل على تفادي مشكلة التهرب الضريبي إذا ما شرعت العملة الرقمية وأسس نظام متكامل لها، إذ تبذل الحكومات جهودًا جبارة لعمل الدراسات في مجال العملة الرقمية كي تستفيد من هذه التقنية اللامركزية، ولتخفف العبء الملقى على بعض دوائرها في إدارة وتنظيم بعض الخدمات. ويعمل صالح حاليًا على دراسة أخرى لتطبيق تقنية «البلوكتشين» في تأمين بعض الخدمات الحكومية، وأحرز تقدمًا كبيرًا في هذا المجال.

ولهذا برزت الحاجة لامتلاك فهم أفضل وتقنيات أكثر تسهم في التحريات المرتبطة بعملة بتكوين. وقال صالح «لمعرفة طرق التحري لأي تقنية، يجب معرفة كل تفاصيلها والإلمام التام بأسرارها.»

ووفقًا لصالح فإن ما يميز التقنيات اللامركزية هو عدم حاجتها لرسوم، فضلًا عن أنها تعمل تمامًا كالتقنيات المركزية التقليدية وربما بشكل أفضل وإحدى الامثلة عليها هي عملة بتكوين، إذ لا تديرها أي جهة مركزية، ولا يتم فرض أي رسوم على معاملاتها المالية، بعكس المعاملات البنكية «المركزية» والتي تديرها بنوك ومؤسسات ربحية، وتفرض رسوم للخدمات التي تقدمها. أما فيما يخص التحقيقات أو التحريات، فإن الفرق الوحيد هو أنه يمكن استخدام التقنيات المركزية في تعقب مستخدميها بعكس التقنيات اللامركزية.

ويكمن الهدف الرئيس من إجراء تلك التحريات في التعرف على هوية المستخدم، وأشار صالح إلى دراسات عدة أجريت سابقًا بهدف ربط هوية مستخدم العملة المعماة عن طريق الأدلة التي جرى استخراجها، وأضاف أيضًا «يتطلب التحري المعرفة التامة بجميع أدوات جمع الأدلة الرقمية وتحليلها، وتختلف هذه الأدوات والتطبيقات باختلاف أنظمة التشغيل، وباختلاف نوع الأدلة ومصدرها.»

وتلعب استعادة العمليات السابقة التي جرت عبر محفظة بتكوين دورًا مهمًا، وليتمكن صالح من استعادتها، فإنه اتبع الإجراءات التالية في دراسته لأربع بيئات مختلفة:

  • التقاط نسخة من البيئة قبل تثبيت المحفظة.
  • التقاط نسخة بعد تثبيت المحفظة، وملاحظة التغييرات التي طرأت على البيئة بفعل تثبيت المحفظة.
  • التقاط نسخة بعد تحويل معاملات نقدية من محفظة لأخرى.
  • التقاط نسخة بعد حذف المحفظة بشكل نهائي من البيئة، ومن ثم إعادة تشغيل البيئة، والتقاط نسخة أخرى.

ثم أجرى تحليلًا وتدقيقًا شاملًا لكل نسخة ملتقطة بإستخدام عدة أدوات جمع الأدلة الرقمية، وجمع الأدلة من كل بيئة.

وتوصل صالح إلى إمكانية تعقب مستخدمي العملة الرقمية بتكوين، بالإضافة إلى القدرة على التوصل إلى هوية المستخدم بالاستفادة من الأدلة التي جمعها من البيئات الافتراضية، إذ استطاع ربط عنوان المرسل بالمستخدم ما يعني أن يمكن ربط استخدام محفظة بتكوين مع مستخدم محدد، وذلك بالاستعانة بملفات مميزة تكشف عن وجود استخدام سابق للمحفظة.

لقطة لموقع «بيتكوينيتي» تظهر حجم التداول بعملة بتكوين بتاريخ الخامس من أغسطس/ آب 2017 عند الساعة 4:19 بالتوقيت الجبلي الأمريكي
لقطة لموقع «بيتكوينيتي» تظهر حجم التداول بعملة بتكوين بتاريخ الخامس من أغسطس/ آب 2017 عند الساعة 4:19 بالتوقيت الجبلي الأمريكي

وإلى جانب الكشف عن الاستخدام السابق لمحفظة بتكوين، فإنه يمكن معرفة الكمية التي جرى تحويلها من عملة بتكوين، إذ كانت كمية المبالغ من بين الأدلة التي توصل إليها صالح.

واختار صالح محفظة «باي إيثر» في دراسته نظرًا لدعمها مختلف الأنظمة التشغيل كويندوز، ولينكس، وأندرويد، وآيفون، غير أنه أكد على إمكانية إجراء التجربة ذاتها على أي محفظة أخرى بغض النظر عن الفروقات البسيطة في كمية الأدلة أو مدى حساسيتها.

ويعتمد نجاح التحري على القدرة على استعادة البيانات المحذوفة أو نوع الذاكرة أو الأنظمة المستخدمة، ولذلك واجه صالح عقبات عديدة وصعوبات في استعادة الملفات من بعض الأنظمة لأنها كانت محمية بكلمات مرور من المصنع، ولتطلبها لصلاحيات أكبر. وقال «من خلال النتائج النهائية للتجارب التي أجريتها، اكتشفت اختلافًا في نوع الأدلة المتروكة بعد استخدام العملة وكميتها، ففي نظام التشغيل ويندوز 8.1 رصدت العديد من الأدلة الحساسة في الجهاز المستخدم؛ كعنوان المرسل، وعنوان المستلم، وكلمة المرور الخاصة بالمحفظة، والعديد من معلومات نظام التشغيل، وبالمقابل وجدت بأن المعلومات أو البقايا التي وجدت بعد استخدام العملة في نظام التشغيلي «لينكس» كانت معلومات بسيطة، وغير حساسة، وأغلب الأدلة كانت عبارة عن بيانات خاصة بنظام التشغيل، ونوع المحفظة المستخدمة في عملية نقل الأموال بين المرسل والمستلم.

وأجرى صالح التجربة ذاتها في نظامي تشغيل الهاتف النقال «أندرويد» و«آيفون»  فوجد بأن الأدلة المتروكة في نظام «أندرويد» كانت أقل حساسية من تلك التي وجدت في نظام تشغيل الهاتف «آيفون»؛ وذلك لأن الملفات الادارية لجهاز «أندرويد» تتطلب صلاحيات المدير.

وعلى الرغم من النتائج التي توصل إليها صالح، فإنه ما زال أمامها شوط كبير قبل أن تتمكن من لعب دور في التحقيقات القضائية، نظرًا لعدم وجود تشريع يخص استخدام عملة بتكوين بعد، ومع ذلك فإنه يمكن لتلك النتائج أن توظف في عمل مزيد من الدراسات لربطها بهوية مستخدميها.

ويأمل صالح بأن تساهم نتائج التجارب في المساعدة في تعقب الاستخدام غير المشروع للعملة الرقمية، وأن تكون سببًا لتأمين عمل العملة الرقمية في المستقبل، وبالتالي تشريعها في العديد من دول العالم. وخلال الفترة القادمة سيعمل صالح على تجربة لتأمين شبكة «البلوكتشين» وبالتالي، إيجاد حل لمشكلتها الأمنية، والمعروفة باسم مشكلة «Brute Force Attack».

ويتطلع العديد من ريادي الأعمال والخبراء إلى عملة بتكوين، آملين أن تعترف مزيد من الدول بشرعيتها، وأن تصل إلى مرحلة الاعتماد الشامل، فيمثل التحول إلى العملات المعماة أفقًا ممكنًا من شأنه أن يغير طريقة تعامل مجتمعاتنا في كيفية إنفاق الأموال أو توفيرها. وختم صالح قائلًا


يوجد مستقبل كبير لهذه العملة، إذ سجلت العملة أعلى سعر لها في الشهر الماضي، حيث وصل سعر عملة بتكوين إلى 4624.7202 دولار أمريكي، و وصل حجم الاستثمار في العملات الرقمية إلى ما يزيد عن 25 مليار دولار، وسمحت بعض الشركات بالدفع عن طريق العملة الرقمية لتكون بديلا عن الدفع النقدي، وبذلك سنرى تزايدًا كبيرًا في عدد مستخدمي العملة الرقمية في المستقبل القريب.