دخلت مدينة دبي، منتصف مارس/آذار الجاري، ضمن قائمة أفضل مدن العالم التي تقدم تجربة إيجابية لقاطنيها من خلال التقنيات الذكية، إلى جانب مدن سنغافورة ولندن ونيويورك وسيؤول وبرشلونة؛ وفق أحدث تقرير للمؤشر العالمي للمدن الذكية.

ويستند المؤشر العالمي للمدن الذكية على مراعاة تطبيق الأتمتة وتقنيات الذكاء الاصطناعي في مجالات التنقل ووسائل الموصلات والرعاية الصحية والسلامة العامة والإنتاجية.

ونقلت وكالة الأنباء الإماراتية، عن داوود الشيزاوي، رئيس شركة الاستراتيجي لتنظيم المعارض والمؤتمرات؛ الجهة التنظيمية لمعرض مدن المستقبل الذي تستضيفه دبي في 8 أبريل/نيسان المقبل، إن «دولًا كثيرة حول العالم تخطو بخطًى واثقة نحو توفير مقومات المدن الذكية لإدراكها أهمية ذلك في تحقيق الرخاء والرفاهية لشعوبها والاستدامة لأجيالها المقبلة، ويأتي هذا في وقت غزت فيه التقنيات الحديثة أوجه الحياة كافة، ما يعول عليها في تسريع خطوات التحول نحو المدن الذكية. وتعكس الدورة الثالثة من معرض مدن المستقبل المكانة الريادية لدولة الإمارات العالمية كقاعدة للابتكار والتميز في مجالات المدن الذكية.»

استراتيجية دبي للذكاء الاصطناعي

وكثفت إمارة دبي خلال الأعوام الأخيرة من مشاريعها المعتمدة على خوارزميات الذكاء الاصطناعي والرامية للتحول إلى مدينة ذكية بالكامل، ما ظهر جليًا في نموذج المدينة المستدامة في دبي المستندة إلى التحول الرقمي.

وتُعد المدينة المستدامة في دبي، أول مشروع سكني ينتج الطاقة النظيفة في العالم العربي والمنطقة وهي تجسيد عملي للاستدامة الاجتماعية والاقتصادية والبيئية. وبدأت الإمارة بإنشائها عام 2014، وأنجزت عام 2017 المرحلة الأولى منها لتضم 500 فيلا سكنية و89 شقة مع حزام أخضر حولها للحفاظ على جودة الهواء، بالإضافة لإنشاء مزرعة مكونة من 11 قبة لمعالجة المناخ وإنتاج النباتات وتوزيعها على السكان وتسويقها تجاريًا.

وتنتج المدينة المستدامة طاقتها بالكامل من مصادر متجددة، باستثمار الطاقة الشمسية وتحويلها إلى كهرباء والاستفادة من منظومة وفرتها هيئة كهرباء ومياه دبي لتوليد الكهرباء على سطوح الوحدات السكنية والتجارية. بالإضافة لتنفيذ مجموعة من برامج إعادة التدوير والحد من النفايات، وإطلاقها مجموعة من المبادرات البيئية المتنوعة إلى جانب انضمامها لعضوية منظمات بيئية عالمية وتوفيرها فرصًا تعليمية وتدريبية بهدف رفع الوعي وتحويل مفهوم الاستدامة إلى واقع ملموس في المجتمع.

مركبة نقل عام ذاتية القيادة

وفي سبتمبر/أيلول الماضي، بدأت المدينة المستدامة في دبي بتشغيل مركبة ذاتية القيادة للنقل الجماعي في شوارعها؛ في منطقة دبي لاند في شارع القدرة ضمن مسار يبلغ طوله 1250مترًا، في إطار استراتيجية الإمارة الرامية إلى تحويل 25% من النقل الجماعي إلى المواصلات ذاتية القيادة بحلول العام 2030.

وتسير المركبة بالطاقة الكهربائية وهي صديقة للبيئة بنسبة 100%، وتعمل بطارياتها حتى ثمان ساعات وتتسع لثمانية ركاب، وتحتوي على ستة مقاعد للجلوس ومكانان للوقوف. ويصل متوسط سرعة المركبة إلى 20 كيلومتر/ساعة ويساعدها حجمها المعتدل على السير في الشوارع الداخلية الضيقة والمغلقة في المجمعات السكنية وأماكن الترفيه.

أول روبوت عامل نظافة

وأطلقت دبي منتصف فبراير/شباط الماضي، أول روبوت عامل نظافة، طورته هيئة الطرق والمواصلات في دبي، ليقدم خدمات بجودة عالية في محطات مترو دبي، من خلال برمجته على تنظيف الأرضيات والطوابق المتعددة وتعقيمها، مع مراعاة ترشيد استهلاك المياه دون الحاجة إلى تدخل بشري. ويبلغ طوله 135 سم، وعرضه 90 سم، وارتفاعه 128 سم، وتبلغ سعة خزانه 90 ليتر مياه، وهو مزود بحساسات تعمل بالليزر لكشف الطريق، ما يسهل حركته في ممرات مترو الأنفاق.

ويمثل استخدام الروبوت خطوة تجريبية رائدة عالميًا في مجال تنظيف محطات المترو بهذه التقنية، وتعمل الإمارة على تطبيق تجربته على نطاق أوسع، ويسمح تصميم الروبوت بالاستفادة منه في التقليل من استخدام المياه اللازمة للتنظيف التقليدي مع توفر قدرة كبيرة على التعقيم، ويُبرمَج مسبقًا على عمليات وأنماط تنظيف الأرضيات ليعمل آليًا دون الحاجة إلى تدخل بشري، باستثناء بعض الخطوات المحدودة والبسيطة، مثل إضافة المياه والبرمجة، كخطوة تحضيرية لعمله، فيما يمكن تعديل البرمجة ليتمكن من تنظيف أرضيات وطوابق معقدة التصميم. وهو يمتلك عددًا من الحساسات وسونار يُسهِّل مهمته بالتنقل بين المساحات والكشف عن المعوقات، وتجنب الاصطدام بها، ليغطي دائرة قطرها 360 درجة.

إلغاء المعاملات الورقية

وتسير إمارة دبي بخطًى حثيثة لأتمتة خدماتها المُقدَّمة للمراجعين في مختلف الدوائر الرسمية، وتدعم توجهات القطاع الخاص لتطبيق ذلك، في استراتيجية طموحة رامية لاحتلال مركز متقدم على مستوى المنطقة العربية والعالم في مجالات الذكاء الاصطناعي والتحول الكامل إلى نموذج ذكي لتقديم الخدمات الحكومية وتسيير معاملات المراجعين آليًا وإلغاء المعاملات الورقية بالتدريج.

نظام ذكي لتقديم الشكاوى الطبية

وفي هذا الإطار، أطلقت مدينة دبي الطبية مطلع العام الحالي، أول نظام ذكي لتقديم الشكاوى الطبية، يقدم خدمات ذكية متنوعة، ويفصل في المنازعات الطبية للمرضى والمرافق الطبية في المدينة الطبية، وهو يتميز بسهولة الاستخدام دون الحاجة للأوراق والملفات لأرشفة الشكاوى، لتسهيل الوصول إليها في أي وقت، ويقوم على إخطار المتقدم بالشكوى من خلال رسالة نصية قصيرة بالبريد الإلكتروني، والحصول على الرسالة أو التقرير النهائي من النظام عن طريق بوابة «مسار» الذكية.

وتنظر وحدة حماية المرضى في الشكاوى المُقدَّمة، بعد دراستها ورفع معطياتها للجنة طبية مستقلة مؤلفة من متخصصين من داخل وخارج الإمارات العربية المتحدة، لمراجعتها والبت فيها.

التحول إلى نموذج ذكي بالتدريج

وأطلقت إمارة دبي بالفعل أواخر العام الماضي، المرحلة الأولى لتنفيذ «استراتيجية دبي للمعاملات اللاورقية» بالتعاون مع جهات حكومية، بهدف تسخير التقنية المتطورة لبناء منظومة عمل متكاملة وخالية من الأوراق.

وتقوم استراتيجية دبي للمعاملات اللاورقية على رقمنة العمليات الخارجية والداخلية في المؤسسات والدوائر الحكومية، لتوفير الجهد والوقت وتخفيض التكلفة والحفاظ على البيئة بالحد من كميات النفايات الورقية.

وتطبق المرحلة الأولى للمعاملات الذكية، ست جهات حكومية في دبي؛ هي شرطة دبي، وهيئة الطرق والمواصلات، وهيئة كهرباء ومياه دبي، ودائرة الأراضي والأملاك، ودائرة التنمية الاقتصادية، ودائرة السياحة والتسويق التجاري. وشكلت الجهات الست فرق عمل خاصة من كل جهة لتنفيذ الاستراتيجية، والتنسيق والتعاون مع مكتب مبادرة دبي الذكية لضمان تطبيقها.

وتشمل الاستراتيجية ثلاثة محاور؛ الأول محور التقنيات وتسعى حكومة دبي من خلاله لتلبية الاحتياجات التقنية وتوفير البيانات لضمان إجراء المعاملات دون أوراق. ويقوم المحور الثاني على سن تغييرات تشريعية ضامنة لتطبيق الاستراتيجية، وتمكين المعاملات دون أوراق في جميع مؤسسات ودوائر الدولة. أما المحور الثالث فيركز على نشر ثقافة اجتماعية حول المعاملات الرقمية الذكية، وتخطي العوائق الثقافية لدى الأفراد والمؤسسات، وتعزيز فكرة إجراء المعاملات دون أوراق.

وتسعى حكومة دبي إلى رفع مستوى الأتمتة في مؤسسات الدولة، كخطوة لإرساء تغييرات ضامنة لتطبيق الاستراتيجية، وتوفير الخدمات للمراجعين وتبسيط الإجراءات الإدارية، كاعتماد التواقيع الرقمية، والشهادات والهويات الرقمية، وتوفير البيانات ضمن منصات متخصصة.

الذكاء الاصطناعي يراقب الحافلات المدرسية

وطورت دبي أواخر العام الماضي، نظامًا ذكيًا لمراقبة الحافلات المدرسية عن بعد أثناء تنقلها في شوارع الإمارة لرصد سلوك السائقين والمشرفين وحركة الطلاب داخل الحافلة ومراقبة المحيط الخارجي والموقع الآني للحافلات وحالتها التشغيلية عن بعد، باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وأطلقت هيئة الطرق والمواصلات في دبي، النظام الجديد بصورة تجريبية من خلال تنفيذ دراسة تطبيقية ميدانية موسعة على حافلات النقل المدرسي في الإمارة، بهدف تحقيق أعلى معدلات السلامة للطلبة من مختلف الفئات العمرية. ويعتمد النظام على تركيب كاميرات ذكية وأجهزة اتصال متطورة وحساسات داخل الحافلة وخارجها للرقابة على حافلات النقل المدرسي عن بعد من خلال النظام من مركز رقابة المواصلات الذكي في مؤسسة المواصلات العامة.

ويرصد النظام آليًا ثلاث مخالفات مرورية؛ تجاوز المركبات الأخرى للحافلة المدرسية من الاتجاهين عند فتح إشارة المرور، وعدم وضع السائق والركاب لحزام الأمان، والتغاضي عن ترك مسافة أمان بين المركبات والحافلة.

الذكاء الاصطناعي يرصد الطرق

وتبذل هيئة طرق ومواصلات دبي جهودًا حثيثة لتطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد الطرق والحد من كوارث المرور وتيسير مهمات رجال الشرطة، وفي أغسطس/آب 2018، طبقت الهيئة نظامًا ذكيًا لمراقبة وإدارة وقت انتظار مواقع الفعاليات والمؤتمرات يهدف لتقديم خدمات للزوار والمشاركين. ويتكون من شاشات في بداية ومنتصف ونهاية طابور الانتظار، وجهاز لتحديد عدد الزوار ونوع الخدمة في بداية الطابور، وجهاز استبيان لقياس رضا المتعاملين، وخادم أساسي لأجهزة الحاسوب، وكاميرات لقراءة لوحات مركبات الأجرة عند مدخل ومخرج موقع الفعالية، وكاميرات أفقية لمراقبة الفعالية عن بعد.

وفي مايو /أيار 2018، طورت طرق دبي شبكة طائرات ذاتية القيادة لرصد الطرقات والحركة المرورية، ووقعت الهيئة مذكرة تفاهم مع الهيئة العامة للطيران المدني ومؤسسة الاتصالات المتخصصة (نداء)، للحصول على التراخيص المطلوبة، بما يسهل عمل هيئة الطرق والمواصلات والجهات المعنية بتنظيم الحركة المرورية على طرقات دبي.

دبي X10

وأطلقت حكومة دبي خلال فعاليات القمة العالمية للحكومات في فبراير/شباط 2018، مبادرة دبي X10 المُتضمنة مشاريع طموحة لجعل إمارة دبي مدينة مستقبلية تطبق اليوم ما ستطبقه مدن العالم بعد 10 أعوام. وتقوم المبادرة التي تشرف عليها مؤسسة دبي للمستقبل، على 26 فكرة مبتكرة اعتمدتها حكومة دبي بعد الاطلاع على أكثر من 160 فكرة مقدمة من جهات إماراتية مختلفة.

شرطة بلا أفراد

وضمن مبادرة دبي X10؛ أطلقت شرطة دبي مشروع «شرطة بلا أفراد» الذي يتضمن ثلاث مبادرات فرعية؛ الأولى «المنطاد الطائر» لرصد الحوادث المرورية والجرائم، من خلال كاميرات مراقبة خاصة ترصد المشتبهين وحركة المرور، عبر غرفة عمليات خاصة. وتعتمد المبادرة الثانية على الذكاء الاصطناعي، من خلال توجيه دورية خاصة إلى مكان الحدث دون تدخل بشري ما يوفر الوقت والجهد ويساعد رجال الشرطة في أداء مهامهم ويعطي فرصة للتنبؤ بالجرائم. أما المبادرة الثالثة وتحمل اسم «عيون» فتعتمد تركيب الآلاف من كاميرات المراقبة في دبي، وربطها بغرفة عمليات الإمارة.

وسبق أن كشفت شرطة دبي مطلع العام 2017، عن اعتماد نظام جديد لتطوير مراكز الخدمة المستقبلية والتنبؤ بالاحتياجات الخاصة بالمتعاملين معها، بالإضافة لتزويد مراكز الخدمة المستقبلية بمختلف أنواع الروبوتات والأنظمة المدمجة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، والسيارات ذاتية القيادة.

وتعتزم شرطة دبي أيضًا استثمار أنظمة الذكاء الاصطناعي في إدارة الأزمات والكوارث؛ مثل «نظام إدارة الحشود والأزمات» الذكي القائم على إعداد دراسات وتحليلات للحشود ورفع تقرير مباشر إلى الجهات العليا.

تقنية بلوكتشين

وتخطط دبي كذلك للاعتماد على تقنية بلوكتشين؛ في قطاعات مختلفة، للمساهمة في إلغاء المعاملات الورقية تمامًا والتحول إلى نموذج ذكي بالكامل في غضون الأعوام القليلة المقبلة، بالإضافة لتسيير 50% من معاملاتها المالية من خلال بلوكتشين بحلول العام 2020، مع إدخال تطبيقات تعمل بتقنية بلوكتشين إلى قطاعات النقل والطرق والرعاية الصحية والتعليم والطاقة.

وتثق دبي بإمكانيات هذه التقنية وتطمح لأن تكون أول مدينة في العالم تترجم إمكانياتها إلى واقع مثمر من خلال إدخالها في تطبيقات يستخدمها الناس في حياتهم اليومية، إلى أن تصبح التقنية جزءًا أساسيًا من حياة الإمارة وتُصدِّر التطبيقات التي تنمو معها إلى باقي أجزاء العالم، ما يوفر مزيدًا من فرص العمل، واستقرارًا في أسعار العملات المعماة، ويساهم في دمج دبي والإمارات بالاقتصاد العالمي الذكي العابر للحدود.