باختصار
التغيير المناخي هو الخطر المحدق بالبشرية، وخطره كبير لدرجة أنه يدفع سكان المنطقة للهجرة بشكل متزايد، إلى الدول التي سببت المشكلة في البداية.

عندما قام القائد العربي طارق بن زياد، بحسب بعض الروايات التاريخية، بإحراق سفنه وإلقاء خطبته المشهورة أمام آلاف الجنود، والتي بدأها بـ "البحر من أمامكم والعدو من ورائكم فأين المفر" إنما كان يرمي إلى وضع جنوده أمام موقف يحتم عليهم إما النصر أو الفناء، في معركة ضد جيوش الملك لذريق، وقد تحقق ما كان يصبو إليه القائد المخضرم وتم فتح الأندلس بواسطة هذا الجيش الجرار الباحث عن أسباب البقاء. لكن المفارقة أن طارق بن زياد قد عاد للظهور من جديد، لكن هذه المرة مرتدياً زي علماء المناخ ومخاطباً كل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا "البحر يرتفع منسوبه من أمامكم والتصحر يتزايد من خلفكم فأين المفر؟"

 

الإنذارات التي يطلقها علماء البيئة والمناخ بشكل مستمر لم تعد خافية على أحد، والسيناريوهات الكارثية المحتملة فيما لو استمر البشر بتدمير كوكبهم أصبحت تتردد على الألسنة في كل مكان، لكن الواقع يقول أن لتلوث البيئة والاحتباس الحراري وتغير المناخ الناجم عنهما طرفان: الأول يسبب والآخر يتأثر، أما الطرف الأول فهو الدول الصناعية وفي طليعتها الولايات المتحدة والصين والتي ترفد الغلاف الجوي بكميات هائلة من غاز ثاني أوكسيد الكربون المسبب للاحترار (تسهم الدولتان بـ 38% من مجمل ظاهرة الاحترار العالمي)، وذلك دون أن تعاني مدنها من عوارض خطيرة، على الأقل على المدى المنظور بعكس الطرف الثاني، والذي يتمثل بالدول المتأثرة بالاحترار دون أن تكون مسبباً رئيسياً له وتأتي دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في طليعتها. مع العلم أن جزء كبير من هذه الدول يعتمد على الزراعة كمورد رئيسي، وهنا يحذر العلماء من احتمال انخفاض الناتج المحلي 14% مع حلول سنة 2050 ما لم تتخذ الإجراءات المناسبة.

بيانات الحرارة من 4 مراكز علمية دولية. مصادر البيانات: معهد جودارد للدراسات الفضائية التابع لناسا، مركز البيانات المناخية الوطني التابع للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكي، مركز هادلي/وحدة الأبحاث المناخية التابعين لمكتب الأرصاد الجوية البريطاني، والوكالة اليابانية للأرصاد الجوية. حقوق الصورة: ناسا
بيانات الحرارة من 4 مراكز علمية دولية. مصادر البيانات: معهد جودارد للدراسات الفضائية التابع لناسا، مركز البيانات المناخية الوطني التابع للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكي، مركز هادلي/وحدة الأبحاث المناخية التابعين لمكتب الأرصاد الجوية البريطاني، والوكالة اليابانية للأرصاد الجوية. حقوق الصورة: ناسا

تعاني 33 بلداً على مستوى العالم من ندرة المياه، وتحتضن منطقة مينا (الشرق الأوسط وشمال إفريقيا) 14 منها وتضم قائمة العشرة الأوائل كافة دول مجلس التعاون الخليجي، حيث يبلغ نصيب الفرد في المنطقة 1000 متر مكعب مقارنة مع 4500 متر مكعب في شرق آسيا و9000 متر مكعب في الولايات المتحدة. ويقل معدل توافر المياه في الدول المذكورة عن بقية دول العالم بـ 6 مرات، مع العلم أن مصادر المياه المتجددة فيها تقل بحوالي 2% عن بقية دول العالم، وهذا يعني أن المشكلة الأساسية التي تعاني منها هذه الدول هي انخفاض معدل الأمطار، ويتوقع أنه في حال ارتفعت درجة الحرارة بين 1.5 و 2 درجة مئوية فإن معدلات سقوط الأمطار ستنخفض بين 20% - 40% مع حلول سنة 2050 وعندها ستنخفض غلة المحاصيل الزراعية في دول مثل الأردن ومصر وليبيا بمعدل 30%.

وقد تم تسجيل 16 يوماً شديد الحرارة في منطقتنا خلال الفترة بين 1986 و2005، ومن المحتمل أن يزداد هذا الرقم ليصل إلى 116 مع نهاية القرن الحالي، كما يتوقع العلماء أن تصل الحرارة في تلك الفترة إلى 50 درجة مئوية، مع عدم انخفاضها إلى أقل من 30 درجة مئوية خلال ساعات الليل، هذه الأرقام تنبئ بمستقبل غير مبشر للمنطقة، حيث أن هذا المستقبل قد يشهد زوال أرياف بحالها وخلو كثير من القرى من سكانها.

أما معدل ارتفاع منسوب البحار عالمياً فهو 3 ميليمتر سنوياً منذ سنة 1993، وهي ظاهرة قد ازدادت خلال العقود الأخيرة وذلك بسبب التمدد الحراري وذوبان الجليد القاري، وبات المنسوب المرتفع لسطح البحر يهدد مدناً بأكملها، ليس في المنطقة وحسب، بل في كافة المدن الممتدة على سواحل البحار والمحيطات، واليوم قد تتسبب هذه الظاهرة بغرق مدينتين عظيمتين هما القاهرة والاسكندرية، عدا عن منطقة الدلتا التي ترفد المصريين بجزء كبير من غذائهم، يذكر أن المدينتين المذكورتين هما في قائمة المدن الـ 21 المهددة بالغرق نتيجة لارتفاع منسوب البحار والمحيطات في العالم.

يمكن إفراغ الأرقام السابقة من معناها في حال تم اتخاذ الإجراءات التي من شأنها سباق الزمن وتلافي الآثار المحتملة للتغيرات المناخية، وذلك عن طريق ترشيد استهلاك المياه وتأمين مصادر متجددة، استخدام الطاقات المتجددة والالتزام بالاتفاقيات الدولية التي تعمل على كبح جماح الاحتباس الحراري، مع العلم أن هذه الإجراءات يجب أن تكون ريادية ومتفوقة على مثيلاتها في بقية دول العالم، لأن ما يواجه المنطقة لا تواجهه دول كثيرة، من هنا ينبغي الاتجاه صوب الحلول الابتكارية التي تجعل من مفهوم التنمية المستدامة طريقة حياة وليس مجرد هدف أو مفهوم نظري.

يمكن تلخيص ما يجري وسيجري في المنطقة على الشكل الآتي: دول صناعية متحضرة، تنفث غاز ثاني أكسيد الكربون كناتج ثانوي لصناعتها وتحضرها. ترتفع درجة الحرارة فتقل معدلات الأمطار من جهة ويذوب الجليد القطبي من جهة أخرى، يهرب سكان القرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا صوب المدن والتي بعضها أضيق من أن يحتمل مثل هذه الموجات وبعضها الآخر مهدد بالغرق، يصبح الكثير من سكان المنطقة البالغ عددهم 500 مليون لاجئين في الدول المجاورة، لكن هذه المرة ليسوا لاجئي حرب بل لاجئي مناخ. بالمقابل لن نتشاءم نتيجة لهذه السيناريوهات المحتملة، بل سنشكر علماء المناخ الذين قفزوا بنا عقوداً عدة للأمام، لكي نتمكن من تغيير مستقبل المنطقة بواسطة الحلول التي لن نعدمها طالما كان هناك نية للتطوير والسير للأمام.